مدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية

مدونة فكرية إلكترونية مستقلة، تعنى بنشر وتحكيم الـمقـــالات والأبحــاث والدراسات المتعلقة بمختلف العـلـوم والـمعــارف الإسـلامية والشـرعيـــة.

أحدث المواضيع

حقوق النشر محفوظة لمدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية . يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الأربعاء، 15 أبريل 2020

من سمات المتذكرين: تأمل واعتبار


من سمات المتذكرين: تأمل واعتبار


ذ. أنس العاقل، أستاذ باحث في أصول الدين والدراسات الشرعية بالغرب الإسلامي
يتذكر بوقائع الأرض بسرائها وضرائها من كان ذا لب، وارتوى جنانه بما نزل من غيث الأرواح، وهو بذلك يكون كالأرض الخصبة المنتفعة النافعة، ولذلك عبر القرآن عن هذا التأثر بالتذكر؛ ﴿إنما يتذكر أولوا الالباب﴾[1] لأنه مطاوع التذكير، والمطاوعة قبول الأثر، ولا يتصف الإنسان باللبيب إلا إذا كان ذا عقل مبرأ من متابعة الإلف ومعارضة الوهم، ومن ثم كان اللب أخص من العقل[2]، والواقع أن أدب التفاهة اليوم أغرق الناس في سجن الإلف فتبلد الإحساس، وصار لا يتذكر غالبا وإن ذُكِّر، بل ربما تطاول فاستهزأ.
ولذوي الألباب خصائص، صدَّرت سورة الرعد منها الوفاء بالعهد، وليس ذلك فحسب، وإنما من الإشارات العجيبة في القرآن أن أولي الألباب اقترنوا بالذكرى أو التذكر ثلاث عشرة مرة، وهو غالب سياقات ذكر الكلمة: عشر منها وردت معها مادة الذكرى أو التذكر باللفظ، وثلاث وردت في سياق الاعتبار والتأمل، كالاعتبار بعاقبة القصاص، أوعجائب الخلق، أوقصص الأمم. وما بقي وردت واحدة مع الذكر، ووردت اثنتان في سياق الأمر بتقوى الله، وبقيت واحدة ذكرت في سياق المدح وإعلاء الشأن باسم الإشارة[3].
وإن أوصاف أولي الألباب في القرآن عجيبة، وقد سردت سورة الرعد تسعة جليلة منها، وأولاها الوفاء بالعهد، وقد جعل الرحمن هذا الوصف من خصائص الأبرار في سورة الإنسان، ﴿ يوفون بالنذر﴾[4] وعهد الله في الرعد هو الإيمان، والإيمان أساس الفلاح.
إن الوفاء بعهد الله أول مميز للمتعظين بنُذُر الكون كما في سورة الرعد، ولقد عقد الناس على أنفسهم الاعتراف بالربوبية في عالم الأرواح، حيث أعقبوا السؤال التقريري ببلى، ولما نعموا بالوجود كان الوفاء خصيصة لهم، فمن لم يؤمن لم يحقق أساس التذكر، ويتأتى على إضافة المصدر للفاعل أنهم وفوا بما عهد الله تعالى عليهم في كتبه من الأحكام، وعلى كلا التقديرين فالعهد حاصل باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله. وفي "روح المعاني" حُمل العهد في قولٍ على ما في جِبِلتهم وعقولهم من دلائل التوحيد والنبوات[5].
وإن هذا الكون وأحداثه لَأَجل دلائل الإعجاز الحاملة على الإيمان، ومن ثم بنى أهل العلم الإيمان على النظر والتأمل في بدائع الصنع الهادي إلى التوحيد، وإنك لترى العالم يقف مشدوها أمام الأحداث، آلف الأرواح تصعد إلى صاحب العهد سبحانه، ومآت الآلاف تبحث عن طوق نجاة، كلا ليس الأمر سوى تصحيح للمسار عوض العويل أو الترقب، إيمان وتذكر وتفويض بعد أخذ بالأسباب، ذلك هو الحل، سواء كان الأمر أحداثا من صنع البشر أو محض ابتلاء، الأهم أنه أمر واقع يجب التعامل معه على منهج الاستخلاف، وذلك وفاء بما عهد الله على الناس في الكتب من الأحكام.
والوفاء بعهد الخالق أمر أودعه الله في فطرة البشر، فنشأ عليه الأجداد وتقلده الأحفاد، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم[6]، ولَمَّا يغفل القلب أو يضل بابتعاده عما نشأ عليه الأصل يأتي النذير ليصحح المسار بعد اعوجاج بَيِّن لم يقتصر على ترك الإيمان، وإنما تمادى في آثار ذلك لغفلة القلب عن التذكر والاعتبار، ولم تقل عاد {من اشد منا قوة} إلا لما أنكرت وجود مدبر لمسار الكون، ولا جرم أن الإشراك إبطال للعهد ونقض له، وما أحوالنا عن ظلم أولئك ببعيد، ومن المشهور المستفيض أن الاتحاد في الأسباب مؤذن بالاتحاد في النتائج.
أفلا يتذكر أولو الالباب.




[1] سورة الرعد رقم: 22.
[2] روح المعاني للألوسي 7/133.
[3] الإحصاء من اجتهاد الباحث.
[4] سورة الإنسان رقم: 7.
[5] روح المعاني 7/133.
[6] التحرير والتنوير 13/125.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق