مقتضيات مفهوم الإصلاح (المسيحي والإسلامي! )
ذ. يونس الخمليشي، باحث دكتوراه، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب.
وَلَا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا (الأعراف: 56)
"الذي يفكر بشكل عظيم، لابد أن يخطئ بشكل عظيم" هيدغر
(1)
إن مفهوم
الإصلاح خلاّق بالمعاني من بين يديه ومن خلفه. ذلك أنه يدل على تقويم الاعوجاج،
أياً كان نوعه، وتتبعه بالتهذيب والتشذيب دون إهمال الرعاية المتزامنة له.
وهذا يعني
مرةً أخرى فرادة دلالته التي لا تقوم على أفق متصل ومستقيم، بل على انعراج مشتبك
بأفقين؛
أ-أفق
قبلي يقتضي الاتصال
بما خلفه بإصلاحه حين كان على غير صواب.
ب-أفق بعدي يشير إلى تتابع التهذيب الذي بين يديه بالاستمرار في
إصلاحه.
إذا دققنا
في ذاك الأفق القبلي لمقتضيات الإصلاح نجده يقتضي سلفاً presuppose سبقَ
فساد جرى واستطال، فوجب إِتْباعه بالإصلاح.
لتبيان هذا
المقتضى أكثر، أود أن أشير إلى مادة لها دلالة وسعى على هذا، وهي مادة
الإصلاح Reformation
في الدين المسيحي الذي يقتضي
سلفاً مفهوماً ملازماً له، وهو مفهوم الإفساد.
(2)
إن
الإفساد في الدين المسيحي له شمولان:
الشمول
الأعلى: الإفساد مفهوم
أساس لكل إصلاح بعده، فالإصلاح أنطولوجياً بعد الإفساد. فلنا إفساد مفترَض
أساساً لكل إصلاح يقام أو يُتخَيَّل أنه سيقام. إن هذا التخيل -تخيل إفساد
قبل أي إصلاح- يعود إلى خطيئة آدم التي تعدت خطأه في نفسه، إنه أفسد في
الأرض مع حواء (مجتمع)، وإفساده امتد إلى الإنسانية كلها، فصار تعريف الإنسان
جوهراً هو الخطيئة الأصلية Original
sin التي جنت على كل
أهلها، والتي تتجدد مع مرور الزمن كما تجددت مع تصليب السيد المسيح تأكيداً على
الخطيئة الأصلية وجدوى تخيلها وضرورتها.
فالدين
المسيحي برمته يتدين تحت مظلة إصلاح آني يتم وإصلاح بعدي سيتم لإفساد قبلي قد
تم وانقضى. إن الإصلاح هنا هو مجرد آثار تتجدد في الحاضر والمستقبل لحقيقةٍ
ثابتة، والإصلاح هو أحد آثارها فقط، فالكون فساد أساساً والإصلاح فيه عزيز.
من هنا كان
الدين المسيحي ديناً يفضل الزمن الماضي ويُردفُه السياقةَ لكل الأزمنة بعده.
الشمول
الأدنى: ظلت المادة
الصلبة للدين المسيحي على صبغة الكاثوليكية إلى أن جرى الإصلاح فيها في سياق
ثورة مارتن لوثر Martin
Luther الذي عُنِيَ
بتجديد الرواكد الكؤود من الكاثوليكية. لكن هذا اقتضى بحكم مسيحية البروتستانية
-التي تفترض وجود الإفساد في التراث المسيحي ضرورةً- تجديداً جذرياً لم ينفع فيه
الاقتصار على تجديد جزئيات منه وحسب؛ بل إحداث نزعة جديدة كاملة الأركان عرفت
بالبروتستانتية مع نزعات أخرى قام بها أمثال جون كالفن John Calvin وهنري
Henry VIII.
(3)
يتلخص لنا
أن افتراض الإفساد وراء أي تعبد مسيحي نسميه الإصلاحَ في المسيحية يفترض بدوره
أن التراث مفسد يتوجب إصلاحه من جهة (من هنا تدري إن تدر، أن نزعات
"تجديد التراث الإسلامي" ملغومةٌ تستلهم ذاتها من اللوثرية أساساً ومن
الخطيئة الأصلية مظلةً)، كما يفترض سيطرته على كل حواضرنا ومآلاتنا من جهة
أخرى.
إن هذين
الافتراضين لا يجب استصحابهما في الإصلاح الإسلامي إلا بإسقاط سمجٍ ليس غيرُ.
إن الإصلاح الوحياني لا يفترض سبق فساد، فآدم في القرآن الكريم بعث نبياً في
الأرض لا ليصلح ما أُفسد إذ لا وجود لفساد قائم من إنسان قبله؛ بل بعث
للإصلاح بدون افتراض فساد قبل، أي بعث لزيادة الإصلاح. وهي نفسها دعوة محمد صلى
الله عليه وسلم الذي استثمر الصالح قبل إصلاح الفاسد في رمة دعوته، وقد قال:
"إنما بعثت لأكمل مكارم الأخلاق".
فلا
يتم افتراض فساد مسبوق فيرسل النبي لرفعه وحسب؛ بل تحشيد الجميل الواقع الذي
سيزيح، أثناء حركته، الإفسادَ المحايث لواقعه =إلى نموذج أكثر إصلاحاً.
وبعبارة تراثية مألوفة؛ الإصلاح يزيد وينقص. وغرض دعوة الأنبياء هو تكثيره
واستزادته.
(4)
رغم كل
هذا، يظل مفهوم الإصلاح الديني مفهوماً لم يشبع بعد. وهنا أُجْبَر على سحبه إلى
مجالات غير ذات تعلق بالإصلاح الديني فقط، فأقول:
إن
الإصلاح -كما رأينا- يفترض الماضي ويهيمنه على الحاضر والمستقبل، فهو مفهوم زمني
لا يتجرد عن التاريخ، فتتبع نماذجه المفهومية يقتضي تعليقها بتواريخ الذين تبنوا
قضية الإصلاح. إنه بذلك مفهوم لا يتعالى
عن التاريخ. هذا الافتراض ذو المنشإ المسيحي سيتسرب إلى الإصلاح الفكري أو
العقلاني تسليكاً في ذهنياته وتسليماً في بدهياته. فكثير من المفكرين والفلاسفة
يتبنون التخوف من التاريخ، ويرفضون أي انحياز لنزعة تنتمي بشدة إلى الواقع أو
الحاضر. وهذا التخوف ناجم عن كونهم لا يرون أنفسهم مصلحين، لارتباط مفهوم
الإصلاح تاريخياً بالدين. لذلك يعزفون عن التدخل في أحداث الواقع بأفانينه،
سياسياً واجتماعياً. وليس فقط لأن الانخراط في التفكير في الواقع والقول فيه
يجعله مبتذلاً ويصنفه في خانة الخسة التي يلصقها الواقع بكل من انغمس فيه؛ بل حتى
إنه لشأن يستحضر الريبة من التاريخية ومن كل ما هو عملي يشد الانتباه
البسيط. يسعى الفيلسوف إلى التعالي
المفارق للحظي والذي هو طريق الدوام بالنسبة إليه. وهذه الخلفية المسيحية
للتفكير، التي تهندس للمفكر أين يقول وأين لا، هي المادة الأصلية لما يسمى
الحياد أو الموضوعية.
عندما يعزف
المفكر عن إصلاح شؤون الواقع ويضرب صفحاً عن إبداء رأيه مثلاً في قرار صنعه
سياسي أو حدث أعقبته نشاطات اجتماعية ما، ليدعي في الآنَ نفسه أنه نبي متعال
عن الحاضر وقوله محفوظ عن التخصيص والتقييد باق على تجرده وتعاليه. مثلما يعزف
المؤلف الفيلسوف عن الحديث في الواقع والتمسك بالتنظير المجرد المتجرد عن كل
المواد والوقائع ليدعي الادعاء نفسه فيريد أن يجعل من كتابه وحياً صالحاً
ومصلحاً لكل زمان ومكان. وقد نجد هذا في الشأن الإسلامي أيضاً عندما يفصح
مسلمون كثر يرون أنفسهم "مصلحين" عن مفهوم "جواز اكتساب
النبوة". أو عندما يدعي بعضهم النبوة حتى، إمعاناً فيما يدعيه أنه إصلاح.
إن
الإصلاح يخفي عند المسلمين استزادة لا تنتهي، مثلما أن النبوة لا تنتهي وعلمها
وخيرها لا ينتهيان أبداً. وهذا المخفي يفترض أن واقع الإصلاح ينصلح إلى درجات
لا تنتهي (مثلما يؤمن المسلمون بوجود واقع أصلح إصلاحاً ليس فوقه زيادة إصلاح
كالجنة مثلاً) أبداً أو تنتهي إلى مدينة فاضلة (هل هذا الذي نقوله يمكن أن
نحلل به دعاوى المدينة الفاضلة الأفلاطونية؟) كما أن الإصلاح لا ينتهي بصاحبه
حتى ينتقل إلى درجة الإحسان بعد الإيمان. ومع عتاة مجوزي "اكتساب
النبوة" لينتقل إلى درجة النبي بعد الولي أو قبل الولي (يوجد من عتاة
التصوف أيضاً من جعل الولي بعد النبي).
(5)
ولنتمسك
الآن بعلاقة الإصلاح بالمصلح نفسه، فنقول:
إن
الإصلاح الديني الغربي يقتضي النقص عند المصلح نفسه بحكم سماجة الماضي وخطيئته
الأصلية مما يستدعي تلوث أي تراث مضى مع سيطرته على الواقع لتعم الخطيئةُ
الأصلية كافةَ الأزمان، حيث يهيمن ماض مسموم على حاضر فيجعله مسموماً كذلك.
إن
الإصلاح الإسلامي يقتضي كمّاً متميزاً من الكمال عند صاحبه، فالنبي صلى الله
عليه وسلم كمال فوق كمال، وحتى كانت الأمية في حقه كمالاً. ومن هذا؛ تم اشتقاق
"تلازم الإصلاح والصلاح" من مفهوم الإصلاح الإسلامي، فالذي يُصلح
لابد أن يتصف بما يُصلح إليه، والفاسد لا يُصلح، بل الصالح من يُصلح، ومن أصلح
لابد أنه صالح. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا
لا تَفْعَلُونَ (الصف: 2)، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى
اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: 33)،
فالمصلح الداعي إلى الله مثلاً لابد أنه عمل صالحاً بما دعى إليه وانتسب إلى
ما دعى إليه.
بينما
يتجلى في الإصلاح الغربي أن افتراض الفساد للإصلاح ليس شرطاً أن يكون صاحبه
صالحاً حتى يصلح، فلنا فلاسفة كثر يُصلحون خلاف ما فَسَدوا، فتجد فلاسفةً يفعلون
خلاف ما يقولون وينظُرون فيه، وتتبع في ذلك حيوات جان جوك روسو، وآرثر شوبنهاور،
وفريديرك نيتشه، وبيرتراند راسل، وجان بول سارتر، وميشال فوكو...وغيرهم تجدْ.
فالإصلاح الغربي يفترض مقولة "الذي يصلح بشكل عظيم يَفسد بشكل عظيم"
والإصلاح الإسلامي يفترض مقولة "الذي يُصْلح بشكل عظيم يَصلح بشكل
عظيم". دون أن ننسى أن الإصلاح يحايث الإفساد في المجمل، فعندما تأخذ
مال ظالم إلى مظلوم؛ فقد أضعت مكتسبات الظالم، وهذا يعُده إفساداً بالنسبة
إليه، لكن هذا ينجبر عند إرجاع الإصلاح والإفساد إلى مفاهيم عليا متعالية
كالعدل. فحقاً قد أفسد الذي اقتص من الظالم في الظالم، لكنه قد أصلح في المظلوم،
والذي سيرجح لنا أيّاً من بين هذَيْ الإفساد والإصلاح الذي ينبغي أن يكون لنا
ليس هو التعداد الكمي، أي ليس تتبع عدد الأفراد الذي سيستفيدون جراء هذا الصنيع
من عدد الأفراد الذين سيتضررون، ذلك لأن التنظير هنا لا يفكر طي مقولة تغليب
المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأن هذا الأساس ليس متيناً بآخره؛ بل له
ميتافيزيقا عليا تعود إلى ملكة الحكم، وهي إرجاع المفهومين إلى قيم عليا مرضي
عنها أساساً، وهي العدل هنا.
خاتمة:
إن
الإصلاح في الفرد ينبغي أن يكون أكثر من صلاحه، لهذا يظل الفرد وفياً
للالتزامات الواقعية أكثر من عباداته الشخصية. وعلى كل حال، فلو زل الفرد بأن
سرق؛ فلا يلزمه على أي حال أن يدعو إلى السرقة، أعني أنه إذا فسد لا يكون
مسوغاً ألا يُصلح. فادعاء الفساد في المصلحين هو صفة ضرورية لهم حتى لا يُقدَّسوا
بشكل مخز.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق