مدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية

مدونة فكرية إلكترونية مستقلة، تعنى بنشر وتحكيم الـمقـــالات والأبحــاث والدراسات المتعلقة بمختلف العـلـوم والـمعــارف الإسـلامية والشـرعيـــة.

أحدث المواضيع

حقوق النشر محفوظة لمدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية . يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الاثنين، 20 أبريل 2020

أصول الفقه والقيم الأخلاقية أي علاقة ؟


أصول الفقه والقيم الأخلاقية أي علاقة ؟

محمد احميمد، باحث في الفكر الإسلامي والحضارة.

الكلمات الدلالية: أصول الفقه - القيم - الأخلاق - 
اهتم المسلمون بعلم أصول الفقه منذ البداية، فحددوا مصادر التشريع، وعّرفوا طرق ومناهج الاستدلال والاستنباط، وبينوا الأحكام والعلل، ورتبوا على ذلك مقاصد يهتدي إليها التفكير الإسلامي لكي ينضبط فكر المسلمين وتستقيم حياتهم، ويسلم مجتمعهم، وقد عرف العلماء من المالكية والحنفية والحنابلة علم أصول الفقه بأنه: القواعد التي يوصل البحث فيها إلى استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، أو هو العلم بهذه القواعد[1]، وعرفه ابن الحاجب فقال: "أما حده لقبا فالعلم بالقواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، وأما حده مضافا فالأصول الأدلة والفقه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال"[2]. وعلم أصول الفقه هو العلم النظري الذي يضبط المعرفة الشرعية وينهض بها، وهو علم الآلة بالنسبة للشريعة، كالمنطق بالنسبة للفلسفة، "والعلم الآلي هو عبارة عن العلم الذي لا يكون مقصوداً لذاته، أو قل، ليس هو غاية في حد ذاته بحيث لا يُطلب إلا من أجل غيره، وبحيث لا يُنال هذا الغير إلا بواسطته"[3]، فأصول الفقه هو العلم النظري للشريعة والتراث الإسلامي بصفة عامة، "وإذا نحن تأملنا المجال التداولي الإسلامي العربي، وجدنا أن أقرب العلوم التراثية إلى النهوض بالمقتضيات النظرية لهذا المجال هو أصول الفقه بوصفه العلم الذي يؤسس منهجية الفقه الاستنباطية"[4]، وبناء على هذه التعاريف، والتعريفات الأخرى الموجودة في كتب أصول الفقه، وما احتوته من نظائر يمكن البحث وتبيين العلاقة بين أصول الفقه والأخلاق.
قال الإمام الشافعي رحمه الله "كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق ففيه دلالة موجودة"[5]، ونحن عندما نبحث في مضامين الخطاب الشرعي؛ نجده يرشدنا إلى مبدأين اثنين، هما: الإرادة والقصد، وهما مبدءان أخلاقيان، الأول ناشئ عن الإنسان، والثاني ما يهدف إليه فعل الإنسان، ومن خلال ذلك يتحدد الفعل الإنساني وفق الرؤية الأخلاقية، والغاية التي ينتهي إليها؛ إما خيرا أو شرا.

فأصول الفقه لا يمكن تفعيل جانب النظر منه فحسب؛ بل لا بد من التركيز فيه على جانب العمل، وهو الغرض الذي يصبو إليه النظر، ولذلك خرج من علم أصول الفقه علم المقاصد، وهذه المقاصد مستفادة من النصوص الشرعية عن طريق القواعد الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، وهي تدعو إلى القيم الأخلاقية.

ومبحث القيم الأخلاقية مشترك بين الشرائع الإلهية والفلسفات الإنسانية، فقد تكلَّم الحكماء قديما في الأخلاق، وأفرد لها فلاسفة الأخلاق المعاصرين علما خاصا يُبحَث فيه عن معنى الأخلاق وكيفية حصولها، "ولا شك في خطورة علم الأخلاق ومكانتها في حياة الأفراد والجماعات، وهي من أثمن مزايا الأفراد، وأهم قوى الجماعات، وبتعبير أقصر: إنها الحياة والمعنوية في الأفراد والأمم"[6]، وعلم الأخلاق هو "علم يُعنى بدراسة ما ينبغي وما لا ينبغي في السلوك البشري، وما يرتبط بمسألة (الحسن والقبح) من مسائل كحسن العدل وقبح الظلم، وحسن الصدق وقبح الكذب، وحسن الحق وقبح الباطل...وغير ذلك"[7]، والأخلاق تستفاد من الحكمة العملية. "وهي تعلِّم الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكو النفس، وتعلِّم الرذائل وكيفية توقِّيها لتتطهر النفس"[8].
-      علاقة أحكام الشريعة بالأخلاق من المنظور الأصولي.
فيما يخص علاقة الأحكام بالأخلاق، فهذا يقودنا إلى مسألة تعليل الأحكام، وهل وجود الأحكام نابع من حاجة المجتمع إلى القيم الأخلاقية لصلاح الحياة والمعاد، أم أن الأحكام لها طابع تكليفي تعبدي محض بعيد عن اعتبار الأخلاق، وكيف يمكن استحضار البعد التعبدي في العلاقة القائمة بين الأحكام والأخلاق من المنظور الأصولي؟
وهنا لا بد من استحضار مقاصد الشريعة، إلى جانب المنهجية الأصولية في استنباط الأحكام من الشريعة الإسلامية، فالقواعد الأصولية لا تشتغل إلا وفق مقاصد الشريعة، وهذا هو المنهج الذي كان عليه الصحابة (رضي الله عنهم)، حيث إن الفكر المقاصدي بدأ مع الصحابة، فقد كانوا يتعاملون مع روح الشريعة مقاصديا، إلا أنهم لم يكونوا يتعاطون مع ذلك كعلم مدون، وإنما كعمل وممارسة دعت إليها إجتهاداتهم في الأحكام،
 ولم يبدأ النظر في المقاصد بمعناه العلمي المتعارف عليه إلا في القرن الرابع فما فوق، فبدأ بذلك مع ثلة من العلماء، فقد "بحث العلماء في التعليل، ولم يخلُ عصر من عصور الإسلام عن الكلام فيه، سواء في ذلك عصور الاجتهاد والتقليد: إلا أن أهل الاجتهاد بحثوا فيه بحثاً عمليا، وأهل التقليد بحثوه بحثا نظريا"[9]، ثم "إن الأعمال بالنيات، والمقاصدَ معتبرةٌ في التصرفات من العبادات والعادات، والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر"[10] ويجب أن يكون قصد المكلف موازيا لقصد الشارع، فقد "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع"[11] وذلك أن الشريعة كما قال الشاطبي إنها "موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوبُ من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يَقصد خلافَ ما قصد الشارع"[12]، و"أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، وهو عين ما كلف به العبد؛ فلا بد أن يكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك"[13]، ثم إنه "إذا حققنا تفصيل المقاصد الشرعية بالنسبة إلى المكلف وجدناها ترجع إلى ما ذكر في كتاب الأحكام"[14]، وفيها أن الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد، إذن "فمقاصد الشريعة –أو مقاصد الشارع- هي المعاني والغايات والآثار والنتائج، التي يتعلق بها الخطاب الشرعي، ويريد من المكلفين السعي والوصول إليه"[15]، وهي: "الغايات التي تهدف إليها النصوص من الأوامر والنواهي والإباحات، وتسعى الأحكام الجزئية إلى تحقيقها في حياة المكلفين، أفرادا وأسرا وجماعات وأمة"[16].
و"المقاصد التي ينظر فيها قسمان:
أحدهما يرجع إلى قصد الشارع.
والآخر يرجع إلى قصد المكلف.
فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة، ومن قصده في وضعها للإفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها؛ فهذه أربعة أنواع"[17].
و"تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ضرورية.
والثاني: أن تكون حاجية.
والثالث: أن تكون تحسينية."[18]
هذا "ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة"[19]، كما قال الغزالي: "وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزّجر عنها، يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، ولا شريعة أريد بها إصلاحُ الخلق"[20]، وهنا تتجلى علاقة الأحكام وأصول التشريع بالبعد الأخلاقي للشريعة.
-      علاقة أحكام الشريعة بالأخلاق من المنظور الفقهي
وهي من جانبين، علاقة الأخلاق بالعبادات، وعلاقة الأخلاق بالمعاملات، ثم هل أحكام الشريعة كلها معللة أم أن المعلل منها ما كان في دائرة المعاملات، وأن الأخلاق لا تستفاد إلا فيما يكون بين الناس؛ وليس فيما يكون بين العبد وربه، وهل مناط التكليف المصلحة أم الأخلاق، أم التوفيق بينهما، فكيف إذن يمكن الربط بين التشريع والأخلاق؟
ينتمي هذا المبحث لسؤال الأخلاق، والشريعة جاءت للإجابة عن هذا السؤال، لكن بعض جوانب الفكر الإسلامي لم تستوعب هذه الإجابة بشكل جيد، فــ"في الرؤية الأخلاقية، فإن الأمر يرتبط بتأويل النص لا بالنص نفسه. فصحيح أن عدة فتاوى وآراء ظهرت في تاريخنا الفقهي والفكري تتناقض مع قيم الأخلاق من عدل ورحمة ومساواة بين بني آدم، ولكن تلك الفتاوى والآراء لا تمثل إلا تأويلات أصحابها المتعسِّفة للنصوص الشرعية ولا تمثل تلك الآراء النصوص الشرعية نفسها"[21]، فوجب إعادة السؤال والتذكير من جديد بسؤال الأخلاق ومحاولة إيجاد معنى لهذه الأخلاق حتى تستقيم حياة الإنسان. وقد غلَّب بعض الفقهاء الأخلاق على المصالح، فنجد مثلا ابن رشد يعلل الأحكام الشرعية باعتبار الأخلاق، كما في مسألة الرجوع في الهبة حيث يقول: "والرجوع قي الهبة ليس من محاسن الأخلاق، والشارع عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليتمم محاسن الأخلاق"[22]، وكذلك في مسألة بيع الرجل أم الأولاد المملوكة، فإن "القياس أن تكون أم ولده في جميع الأحوال إذ كان ليس من مكارم الأخلاق أن يبيع المرء أم ولده، وقد قال عليه الصلاة والسلام (بعتث لأتمم مكارم الاخلاق)[23]."[24] وذلك "لأن الأحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الأخلاق، أو من باب المصالح وهذه في الأكثر هي مندوب إليها"[25].
وفي مسألة المتلاعنين فإنه يقرر التطليق بينهما لأن الحياة الزوجية ينبغي أن تقام على وفاق أخلاقي "وذلك أن الزوجية مبناها على المودة والرحمة وهؤلاء قد عَدِموا ذلك كل العُدْمِ، ولا أقل من أن تكون عقوبتهما الفرقة. وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح"[26]، والعمل بالأخلاق متعارف عليه عند جميع الناس بمختلف شرائعهم ومبادئهم العقلية والفطرية، و"الشريعة كلها إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق، ولهذا قال النبي ص: (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ)[27] "[28].
والنطق الدينية: نظري العقيدة، عملي الشريعة والأخلاق، ولما "كان مضمونا دلالياً موجَّهاً توجيهاً عملياً، فله أساساً تعلق بالأخلاق، فالمقصود الشرعي هو إذن مقصود أخلاقي"[29]، لذلك يجب إقامة أصول الفقه والمقاصد التي هي ثمرته على الأخلاق، وذلك أن علم المقاصد يبحث في المصالح، وأن المصالح ليست إلا علما آخر للقيم الأخلاقية لأنها هي وحدها التي يصلح بها حال الإنسان"[30]؛ لأن الشريعة جاءت داعية إلى إقامة الحياة على أساس أخلاقي، "ولا أدلّ على ذلك من الحقيقتين التاليتين: إحداهما، كون الشارع وضع هذه المقصودات من أجل تحصيل الأخلاق كما يشهد بذلك الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، التي تأتي في سياقات تبرز الغايات الأخلاقية لتشريع الأحكام؛ والثانية، كون مقصودات التشريع المدني الخاصة بالأحكام تنزلت على المعاني الأخلاقية للمُمارسة المكية، علماً بأن هذه الممارسة اختصت ببناء الصورة الأخلاقية للإسلام"[31]، ويرى طه عبد الرحمن أن "علم الأخلاق يفيد الحكم الشرعي من جهاته الثلاث: المقصود والقصد والمقصد"[32]، ومن هنا وجب تطبيق قواعد علم أصول الفقه وفق مقاربة القيم الأخلاقية، لأن هذا كفيل بإقامة المجتمع على أسس الفضيلة؛ لتحقيق الكمال الإنساني، والوصول إلى سعادة الدارين.
--------------------------
الهامش:
1- أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط:1، س ط:1406هـ/1986م، ج:1، ص:24.
2- شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي لابن الحاجب، القاضي عضد الملة والدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط:1، س ط:1421هـ/2000م، ص:9.
3- تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، ط:3، س ط: 2007م، ص: 84.
4- المصدر نفسه، ص: 75.
5- الرسالة ، الإمام الشافعي، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط 2، 1979م، ص 477.
6- عماد الهلالي، كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه ملحق رقم 1 عن علم الأخلاق، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، ط:1، 2011، ص 445.
7- مبادئ الفلسفة الإسلامية، عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي، ط1، 1433ه/2001م، ج1، ص 16.
8- المصدر نفسه، ج 1، ص 14.
9- تعليل الأحكام، محمد مصطفى شلبي، مطبعة الأزهر، س ط: 1947م،  ص: 12.
10- الموافقات، أبو اسحاق الشاطبي، دار ابن عفان، ط:1، س ط: 1417ه-1997م، ج:3، ص: 7.
11- المصدر نفسه، ج:3 ، ص: 23.
12-  المصدر نفسه، ص : 23- 24.
13- المصدر نفسه، ص: 24.
14- المصدر نفسه، ص: 26.
15- مدخل إلى مقاصد الشريعة، أحمد الريسوني، دار الكلمة، ط:1، س ط: 1434ه-2013م، ص: 9.
16- دراسة في فقه مقاصد الشريعة، يوسف القرضاوي، دار الشروق، ط:3، س ط: 2008، ص: 20.
17- الموافقات، أبو اسحاق الشاطبي، دار ابن عفان، ط:1، س ط: 1417ه-1997م، ج:2، ص: 7- 8.
18- المصدر نفسه، ص: 17.
19- المصدر نفسه، ص: 20.
20- المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، س ط: 1417ه- 1997م، ج:1، ص: 417.
21- الاجتهاد المقاصدي، جاسر عودة، ص: 39.
22- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، شرح وتحقيق: عبد الله العبادي، دار السلام، ط:1، س ط: 1416ه-1995م، ج :4، ص: 2035.
23- رواه البُخَارِي، في الأدب المفرد، رقم الحديث: 273.
24- بداية المجتهد، ج:4، ص: 2159.
25- المصدر نفسه، ج:1، ص: 174.
26- المصدر نفسه، ج :3، ص: 1543.
27- تم تخريجه من قبل.
28- الموافقات في علوم الشريعة، أبو اسحاق الشاطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط:3، س ط: 2002م.
29- تجديد المنهج في تقويم التراث، ص: 99.
30- نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال الدين عطية، دار الفكر، دمشق، ط:1، س ط:2001م، ص:106.
31- المصدر نفسه، ص : 100.
32- المصدر نفسه، ص : 103.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق