مدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية

مدونة فكرية إلكترونية مستقلة، تعنى بنشر وتحكيم الـمقـــالات والأبحــاث والدراسات المتعلقة بمختلف العـلـوم والـمعــارف الإسـلامية والشـرعيـــة.

أحدث المواضيع

حقوق النشر محفوظة لمدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية . يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الاثنين، 13 أبريل 2020

(الإلحاد) الفرعوني: رؤية قرآنية.


بسم الله الرحمن الرحيم

                              (الإلحاد) الفرعوني: رؤية قرآنية.


عصام أوعماري، أستاذ باحث في الفكر الإسلامي والحضارة.


-النص المجمل:

  من المقولات المعرفية والمعيارية التي اختصت بها الرؤية الإسلامية للوجود والإنسان، هي الثنائية[1]؛ أي ثنائية الوجود الإنساني[2]، فالإنسان في التصور الإسلامي يتكون من بعدين؛ بعد مادي، وبعد روحي، ولهذه الأبعاد تجليات وامتدادات، وهذه الثنائية تُعد مقولة تحليلية، ونموذجا معرفيا مركبا، يحترم تعقيد الوجود الإنساني؛ ومن ثم لا يمكن فهم العالم والإنسان حقيقة الفهم إلا بها، وبدونها لا يمكن عرض تصور سليم لأي حركة في الوجود، "فالثنائية منهج لا مفر منه في إدراك العالم"[3] ، ومن جملة المواضيع التي يمكن الاعتماد فيها على الثنائية تأملا وتفكيكا وتركيبا هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم: "الإلحاد الفرعوني"

-الآيات المؤسسة للرؤية:
-الآية المؤسسة01 :
"فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَٰتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِين" ( النمل-13)
-الآية المؤسسة02:
"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ " (النمل-14)
الآية المؤسسة03:
"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً" (الإسراء-85)
-النص المبين:

-مقولات (الإلحاد) في مواجهة ثنائيات الرؤية الإسلامية: ثنائية الروح والمادة، وثنائية العقل والنفس.

-أولا: مقولات (الإلحاد) في مواجهة ثنائية العقل والنفس: رؤية قرآنية.

من أعظم [4]ما اختص به الإنسان وتميز هو العقل، وفي العقل أعمق خصيصة هي إجادة العقل لفن التأويل، والتوسع في الممكن العقلي، فيُصيِّر الراجح مرجوحا، والمرجوح راجحا، في مضمار الممكن، حتى وإن جاءت آيات الراجح الظاهرة قطعية، التمس العقل خلق النسبي الممكن، تأمل قوله تعالى:
"فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَٰتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِين" ( النمل-13)

هي آيات بيّنات برهانيات قطعيات مبَصّرات، لكن العقل زئبقي التصرف، لذلك راوغ قائلا: "سحر مبين" هذا التصرف هو انتقال من الراجح أو القطعي، إلى اختلاق المرجوح والمؤول.

ولكن منطق النفس/الروح صارم في الحكم، قد يؤول العقل ويتنصل ويتهرب، لكن  النفس فاصلة في الحكم، لذلك قال عز ووجل:
"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ " (النمل-14)

في الآية (فاعلان):
1-فاعل العقل/المادي الجاحد؛
2-فاعل النفس/الروح المقر المعترف؛
  
  لذلك وبحكم هذه الخصائص، يقع تصنع للتناقض بين العقل والنفس، وذلك في حالة الاختيار والحرية، لكن في حالة الخوف والإكراه، يستجيب العقل للنفس، استجابة مطلقة، فتعيد النفسُ/الروح الممكنَ العقلي/المادي الذي تصنع المرجوح وهو "سحر مبين" إلى الأصل العقلي/الأخلاقي الذي أقرت به النفس/الروح ابتداء " واستيقنتها أنفسهم " فيستقيم كل من حكم النفس والعقل، لكن في حالة الإكراه، وصورة هذا الانتقال والرجوع في حالة الشدة والإكراه؛ نجدها في قصة فرعون، الذي أنكر في حالة الاختيار، وذلك عندما صيَّر آيات مبصرات سحرا مبينا، ولكن في حالة الاضطرار وقع أمر مخالف تماما، ولك أن تتأمل ذلك الانتقال وهو يتخبط في الأمواج العاتية:
"وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (يونس-90)

نلاحظ في هذه الآية فرعون يقر ويعترف ويؤمن بما آمنت به بنو إسرائيل، ففي حالة الشدة والضيق، يطغى المنطق النفسي/الروحي ليجعل الجاحد مقرا معترفا ولكن ليس " آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ "(يونس-91)

نعم أقررتَ يا فرعون، لكن في حالة الوشك على الموت، أما وأنت في حالة الاختيار قلت: "سحر مبين"
"فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ"(يونس-92)

فالجحود العقلي/المادي دَيْدن كثير من الملحدين، فعندما يحاجَجُ بالدليل المادي يؤول ويتنصل حتى "وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" (الأنعام-07)
قديما كان يتعلل الملحد بالسحر المبين، والآن يتعلل بتفسيرات مادية مختزلة ساذجة لآيات الله المبصرات !!!

وكذلك نجد في كثير من الآيات القرآنية إشارات للصراع بين العقل المادي المنكر والنفس الموقنة.
أما أنت أيها المؤمن فلا تحزن على هذا الجحود العقلي المصطنع "فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" (الأنعام-33)
لذلك لا تعجب من رؤية الجاحد معترفا في حالة الإكراه، فإنها استجابة العقل للنفس؛ أي استجابة المادة للروح، وانتقال من حمأة اللؤم العقلي/المادي، إلى الراجح العقلي/الأخلاقي المؤيد بالفطرة، والفاصل النفسي/الروحي، إنها رجوع للفطرة والروح.

ثانيا-مقولات (الإلحاد) في مواجهة ثنائية الروح والمادة: رؤية فلسفية.

يجب أن نتساءل ونتأمل بعمق عن سبب اطراد جدلية الروح والمادة في السيرورة البشرية؛ من وجود آدم إلى عصرنا هذا، بل لك أن تضع جميع حركات الإنسانية، في خانة هذه الثنائية إنها لا ولن تخرج عن الإجابة عن هذا الإشكال العميق؛ سؤال الروح "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً" (الإسراء-85)

إن البحث عن المعنى وما يحدد ماهية الذات، هو في العمق محاولة الإنسان على الإجابة عن سؤال الروح: من أنا؟ وأين كنت؟ ولم وجدت؟  وكيف المسير؟ وما المصير بعد أن وجدت؟...
 بل سؤال الإلحاد هو إجابة مشوهة عن هذه الأسئلة؛ أي أن الإلحاد هو نتيجة لمتتالية مادية لم تفهم الإنسان، فتولد عن عدم فهم الإنسان، الجهل بالكون والخالق...

إن المادة غبية وساذجة عندما تجري مناظرة مع الروح، لا تستطيع رد وجاهة السؤال الغائي والمعنى، وإن حاولت، كانت المواجهة عقيمة وسقيمة.

 إن هذه المناظرة الوجودية لا يتحقق فيها شرط الندية؛ الروح هي الأستاذ، والمادة المتعلم والتلميذ، قصور فظيع في التحليل والإجابة.

كثيرا ما يحاول الملحد التنصل من إلحاح الروح وعمق أسئلتها، فيركب الصعب والذَّلول في صياغة جوالي الروح صياغة مادية، لكن سرعان ما يتبدد مسعاه ويتشتت مغياه، لكون الملحد الذي عرف حقيقة الإلحاد يدرك حقيقة مؤلمة للغاية في نظامه المادي؛ وهي أن تجليات الروح ثقب يصعب رتقه بمخياط مادي، لكون المرتوق سرعان ما يخترق من جديد، ويزداد توسعا وشساعة، ويزيد الراتق حيرة وضلالا!!!

إنها أسئلة مصادرها تنتمي إلى البعد الغيبي المحدد لماهية الإنسان، إنها أسئلة الروح حتى وإن ادعى صاحبها المادة، إلحاح هذا البعد المستبطَن في حقيقة الإنسان، بل المحدد لماهيته، هو من قض مضجع الإنسان، وأثقل كاهله بالأسئلة؛ 

هذه الأسئلة أدخلت الإنسان في سهاد وجودي مطرد لا ينقطع إلحاحه إلا بتلمس النور؛ نور الروح المتجلي في الوجود، يكفي أن يبصره الإنسان ليتغلغل وميضه الغيبي إلى حنايا القلوب المظلمة، قادحا فتيلها الخامد، بقداحة الحياة، لكن بشرط أن يكون الإبصار بأعين الروح "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج-46) وبعدها يتحول السهاد الوجودي بهذا التبصر والتأمل القلبي، إلى إيمان فطري عميق ضارب بأوتاده النورانية في أعماق القلوب، فتصد –بتماسكها- هبات الرياح المنتنة.

إن المؤسس لهذا الثبات هي أدلة الروح والمادة، التي تعمل معا في تناسق بديع، وتواؤم رفيع، يخضعان فيه إلى سيمفونية الحياة العازفة على أوتار الثنائية المتوازنة، فلا نرى الحياة بمطلق الروح، فنقع في الرؤية الحلولية، ولا بمطلق المادة، فنقع في الرؤية المادية!!!
والله أعلم.
__________

 [1] - ثنائية الروح والمادة هي مقولة تحليلية ألهمت جملة من الفلاسفة في نقد الرؤى الإلحادية والمادية، أشهرهم علي عزت بيجوفيتش، وعبد الوهاب المسيري وطه عبد الرحمن...
[2]  -وهذه الثنائية هي امتداد لثنائية الخالق والمخلوق.
[3]  -علي عزت بيجوفيتش، "هروبي إلى الحرية" ص209
[4]  -عبارة التبعيض: "من أعظم..." تفيد أن الإنسان اختص بمميزات أخرى أعظم من العقل، وهي الأخلاق، فمن ثم يتولد عن ذلك العقل الأخلاقي؛ أي العقل المؤسس على الروح؛ أي الأخلاق، أما العقل المقصود في هذه المقالة، فهو العقل المؤسس على المادة الشارد عن نداء الروح، وهو ما سُمي بالعقل المادي أو العقل المجرد، وهذه المسألة تناولها علماء وفلاسفة الإسلام -وغيرهم- بالتأمل والتحليل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق