معالم الفكر التربوي عند الإمام الحجوي الثعالبي
ذ. محمد الأحمدي، باحث في العقيدة والفكر في الغرب الإسلامي، كلية أصول الدين، تطوان.
أ - دعوى
الإمام الحجوي الثعالبي[1]
إلى التعليم .
من البين أن محمد بن
الحسن الحجوي الثعالبي رحمه الله شغل منصب وزير المعارف والتعليم آنذاك في عهده، وبالتالي هاته
الفرصة مكنته بأن يدلي برأيه وويكافح وينافح للدعوة إلى العلم والمعرفة، ما أجمله من
خطاب فبين مظاهر التردي في مستويات متعددة[2]
، ولقد كان على وعي تام برسالة التعليم في صياغة
شروط التقدم، فغالبا ما يرجع أساس تقدم أوروبا ونهضتها إلى العلم، ولاشيء غيرالعلم
الذي هو أهم ما يهم، مما يدل على أن إمامنا كان يحمل هما كبيرا نحو العلم والدعوة إلى
الاهتمام به، فهو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الفكرية والإقتصادية والإجتماعية
وغيرها، وبالتالي نجد مشروعه انصب على هذا الجانب، لذا نجده يؤكد على وجود رصيد
ثقافي تربوي للأمة، أراد من خلاله استحضاره كجزء من الجواب عن التحدي الغربي،
لذالك نراه دائما في جل كتاباته يرجع إلى تحليل عميق للواقع الإجتماعي الذي كان
يعيش فيه، فيقدم تشخيصا دقيقا لأمراضه ومشاكله، وكيف انحرف عن معاني الأصالة
والعفة والأنفة والشخصية المستقلة إلى داء الجهل والأمية، والشعور بالهزيمة فانبهر
بكل ما أتى من الغرب وأصبح يتوجس خيفة منه، يقول الحجوي:"غير خفي أن علة
العلل في تأخر الأمة العربية أو الأمم الإسلامية، هو داء الأمية وكل يعلم مدارها
العظمى، وأثرها السئ فينا ..لذالك نرى أول داء نبادر لعلاجه وحسم مادته، هو ذالك
الداء العضال داء الأمية، ولا تزال جراثيمه إلا إذا تساوى أفراد الأمة ذكرانا
وإناثا في قدر من العلم الأدبي ...،ولا سبيل بحسب العادة الى الوصول إلى هذا القدر
الإ بتسهيل تعليم القراءة والكتابة وبه زوال غشاوة الأمية عن أبصار الأمة [3]..هذا
ونجد الإمام الحجوي رحمه الله يشخص لنا الواقع الذي كان يعيش فيه من فشاء الأمية
وانتشار الجهل وتعرقل قطار التنمية في شتى
المجالات التربوية والإقتصادية والاجتماعية ..، وبالتالي فلا يمكن لقطار التنمية
حسب منظور الحجوي إلا بالعلم، فهو الركيزة الأساسية والعمود الفقري للتطور التنموي والإصلاحي للمجتمع، فبتطوير
مناهج الدراسة والتعليم يمكن أن يتطور
المجتمع في باقي مؤسساته، فهو الباب الذي يلج منه المجتمع من البداوة إلى الحضارة ومن
الفوضى إلى التخطيط والنظام، والقضاء على الأمية ومحاربة العقلية الخرافية، يقول :"لا ريب أن انتشار العرفان في الأمة حتى
ينال حظه منها التاجر والصانع وغيرهما عنوان" ذكاء الأمة ورقي فكرها وحسن
مجتمعها[4]".
ب - أهمية التربية والتعليم في الوسط الإجتماعي عند
الحجوي الثعالبي .
من البين أن
الإمام الحجوي الثعالبي رحمه الله أعطى للعلم مكانة عظمى، ونلمس ذالك من خلال بعض
محاضراته وكتاباته وبعض مؤلفاته في هذا المجال، ومن بين هذه المؤلفات: "تعليم
الفتيات لا سفورة المرأة "ونقد كتب الدراسة العربية بإفريقيا الشمالية"
ومحاضرة "تعليم المرأة تعليما عربيا ابتدائيا" ..إلى غير ذالك من
التواليف الأخرى التي تعرض فيها لهذا الجانب ضمنيا او تصريحيا، ونلمس طموح الرجل وثمرة عمله، فما أحوج هذه
الأمة والبلاد الطبية إلى رجال يصنعون المجد من جديد، فالعلم عنده طريق التقدم وأساس الإزدهار.
إذ يقر بأن ما وصلت اليه أوروبا في نظر الحجوي بالعلم، فالعلم عنده سر التقدم
والقوة، والجهل سبب التأخر والضعف، فهو يحكم بأن جل المصائب والبلايا التي حلت
بالمسلمين تعود بالأساس إلى جهلهم، وغلبة الأمية على رجالهم ونسائهم. يقول:
"غلبت الأمية على رجالنا ونسائنا، وحصل التأخر في سائر علومنا حتى النحو
وغيره من العلوم العربية[5] .. وعليه
لم يكتف الحجوي بإلقاء الخطب للحث على طلب العلم والتنافس فيه، بل وجه نصائح
للسلطان في هذا المجال، فخاطبه قائلا: "يجب علي أن أقدم لسيادتكم الكريمة
العالية بالله، نصائح مهمة في الدين والسياسة وعلم الإجتماع...كما يجب أن يغرس في
قلوب شعب مولانا نهضة علمية يخرج بها الشعب من ظلمات الخمول إلى مصاف الأمم
الحية... وأول ما يتصدى له هو محاربة الأمية. فيجب وجوبا شرعيا واجتماعيا نشر
التعليم الابتدائي العربي بين جميع الحواضر والبوادي... ويجعل تعليم الصغار
إجباريا ذكورا وإناثا [6]، كما أنه
اقترح على السلطان أن يصرف ربع الميزانية العامة في التعليم والصحة كماتفعل الأمم
الراقية ...
يظهر من هذا العناية الفائقة والأهمية البالغة
التي كان يوليها الحجوي للمسالة التعليمية وهي أهمية تترجم مدى الوعي العميق لدى
الحجوي برسالة التعليم ودوره في تحديد مسار الأمم في الحاضر والمستقبل.
ج- دعوى الإمام الحجوي
لتعليم المرأة
مما لاشك فيه أن الإمام الحجوي كان يعرف بعمق
دورتعليم المرأة في إصلاح المجتمع ومساهمتها
في التنمية الإجتماعية والإقتصادية وغيرها.. ولذالك فإن مشروعه التربوي جعل من بين أهم ركائزه الأساسية التي يقوم عليها
التعليم عموما للكبير والصغير، والذكر والأنثى، لكن هذا الأخير كان قد شغل باله – تعليم
المرأة – مما كان يراه في المجتمع العربي عموما وعلى وجه الخصوص بالمغرب، فإن
المرأة كانت تحرم آنذاك من التعليم، مع العلم أن المجتمع الإسلامي مجتمع القراءة
والكتابة، كما هو الأمر في نصوص الوحي بشقيه، وقد نقب الحجوي في النصوص فلم يجد لا
في الكتاب ولا في السنة دليل يمنع المرأة من التعليم، فنجد الإمام أتى بكثير من
النصوص التي تحث على العلم عموما، سواء كان ذكرا أو أنثى، فمن بين هاته النصوص
قوله عليه الصلاة والسلام " طلب العلم فريضة على كل مسلم[7]"،
كما أن الأمة مجمعة على أن لا يجوز لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله
فيه، وأن الله لا يعبد الا بالعلم، والمرأة داخلة في ذالك طبعا، ويجب على وليها تعليمها،
فإن فرط في ذالك فعلى زوجها تعليمها، وهذا من ضروريات الفقه والدين، فهذا الدليل ينتج
على وجوب تعليمها[8]
كما أنه تتبع دور المرأة وبطولاتها في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وشيد
بكثير من أعمالها الجبارة في شتى الميادين، وضرب مثالا بكثير من الصحابيات
الجليلات، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، ودورهن في الأعمال التي كن يقمن بها سواء
في الجانب الديني أو الدنيوي، حتى أن بعضا من العلماء صرحوا بأن المرأة يجوز لها
أن تصل إلى رتبة الاجتهاد، في علوم القرآن والسنة، وما يوصل إليهما من العلوم
الإسلامية، حتى تكون كمالك والشافعي وأضرابهما، وخير دليل على هذا السيدة عائشة
رضي الله عنها التي كان أعلام الصحابة يستفتونها في المهمات الجليلة، وكانت أعلم
أهل زمانها بالشعروالأدب والطب وغير ذالك من العلوم الأخرى ..إذن فكيف يتصور عاقل
أن يمنع من تعلم المرأة ويترك نصف المتدينين به خلوا من الثقافة والفضيلة ؟
فالدين الإسلامي دين العلم والثقافة وتهذيب
الأخلاق، فالمرأة جزء من مجتمعها بل هي اللبينة الأساسية في تربية الناشئة، بحيث
نجد إن للأم تأثير كبير على أولادها بل وأكثر بكثير من المدارس، فأصلح صلاح
العائلة بصلاح الأم، وفسادها بفسادها، وصلاح العائلة به صلاح الأمة، فالأم كما هو
معلوم لها تأثير عظيم على فكر الولد بتعليمها وبطبائعها وأخلاقها، فمن فم الأم الى
فؤاد الصبي، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجركما قيل.. ففي زمن الطفولة ينطبع
فكر الصبي وطبعه على الصورة الجميلة، واللغة الجميلة والحركات الجميلة، أو ضد ذالك
: يطيب إن طابت ويخبث إن خبثت، وفي الصغر يأخذ الطفل قضايا مسلمة في البيت تنطبع
في فكره وتصوراته ، فلا سبيل إلى محوها، ولا سيما إن كان قليل الذكاء ضعيف التفكير
والنقد.
وعليه
فإن تربية البنت وتعليمها ضروري، من حيث الدين والإجتماع معا، وليس بكمالي كما يظن
بعض من لم يمعن النظر في المسئلة تأملا ونقدا، وقد أجمع أهل الرأي العام داخل
المغرب وخارجه على أن تربية الأم هي أساس صلاح الأمة أو فسادها، ولا سبيل للأمة أن
تحل المحل الائق من الرقي إلا بتعليم
البنت وتهذيبها، وبقدر تعميم رقي البنت في فكرها وأخلاقها ترقى الأمة جميعا، وبقدر
نقصان ذالك تنحط الأمة[9].إذن فلم تقتصر الفلسفة التربوية للفقيه الحجوي في
الدعوة إلى العلم والتعلم على الرجال فحسب، وإنما اتصلت فلسفته بفلسفة اجتماعية
اتبعها في إصلاح المجتمع بالتربية والتعليم.
وقد وجد أن من أخطر أسباب الضعف التي أصابت المسلمين، يرجع بالأساس
إلى أن النساء قد ضرب بينهن وبين العلم، ومن تم فالأمة الإسلامية لا سبيل لها "لأن تصير أمة
معدودة من الأمم الحية، إلا بتعميم القراءة والكتابة بين الحواضر والبوادي وتعميم
التعليم الابتدائي حتى يصير جل أفرادها رجالا ونساء يقرؤون ويكتبون[10] كما سعى أيضا من خلال مشروعه الإصلاحي إلى جعلها عنصرا فعالا
وإجابيا داخل المجتمع، فللمرأة حسب الرجل دور كبير في تهيئة الرجال النافعين
وإعداد الأمم للنهوض، ولذلك رأى أنه يجب تعليمها وتهذيبها كما يليق بتعاليم الدين-
التعليم الذي وصفه بالمزين لمستقبل الأولاد، بحيث يجعلون منهم أعضاء فعالين
في المجتمع ومن العلوم التي يجب تلقينها للمرأة حسب الحجوي: فن التربية ونظام
البيت وقواعد الصحة والدين وحفظ القرآن، أو بعضه والحساب، والجغرافيا والتاريخ
والعربية والأدب، بل وحتى الممارسات البدنية، كالأنشطة الرياضية، أو كل ما من شأنه
أن يعينها على تربية رجال المستقبل الذين عليهم مدار حياة البلاد[11] أن ما يريده للمرأة من تعليم هو ما كان
أوليا وفي المراحل الأولية من حياتها قبل لزوم الحجاب عليها، من جهة الشرع:
"يمكن الفتاة أن تحصل على التعليم الابتدائي من قبل أوان الحجاب، إذا أدخلت
المدرسة وهي بنت خمس أو ست سنين، فلا تكتمل السنة التاسعة من عمرها أو العاشرة إلا
وهي محصلة لذلك، فعند ذلك يسدل الحجاب وتكمل تعلمها إن شاءت داخل البيت، إذ
لكل نفس لها حق طبيعي في طلب الكمال وتنمية الملكة الفاضلة إلى
أقصى حد ممكن.
د - دعوى الإمام الحجوي إلى إصلاح التعليم بشتى
مستوياته
إن الهاجس الأكبر عند الحجوي الإصلاح التربوي،
وخصوصا في القرويين الذي أولى له مكانة خاصة، وخصص له في كتاباته حيزا هاما؛ إذ
أفرض له عنوانا خاصا في كتابة "الفكر السامي في تاريخ الفقه
الإسلامي". فكان يصرح في كل المناسبات بأنه بارتقاء القرويين وانتظامها يتقدم
الإسلام والثقافة والأدب، وبتأخرها يتأخر المغرب أدبا وثقافة ودينا؛ "لأنه
المعهد الأعظم في إفريقيا الشمالية للعلوم العربية والدينية والأداب الإسلامية،
لاسيما بعد سقوط الأندلس، فهو الينبوع المنير لهاته العلوم، والقبس النير للدين
الحنيف[12] وهذا ما يفسر اهتمام الحجوي الكبير
بالقرويين بالإضافة إلى أنها كانت تجسد الشخصية الثقافية المغربية في بعدها العربي
الإسلامي، وعنها كان يقول فهي: "أمي وظئري، ومن ثديها العذب ارتضعت وبها
أميطت عني التمائم[13]".
خاتمة
[1] تفاصيل ترجمة الإمام ينظر للأعلام للزركلي .ج/ 6/ص96.
ينظر
أيضا الى الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ج 1 ص: 11.
[2] محمد بن الحسن الحجوي
الثعالبي ": الفكر السامي .ج2 ص: 194.
[3] نقد كتب الدراسة للعلوم العربية بإفريقيا الشمالية .ص: 1و2.
[4] الحجوي الثعالبي مختصر العروة الوثقى .ص: 19.
[5] الحجوي. "الفكر السامي في تاريخ الفقه
الإسلامي" ج2، ص: 702.
[6] الحجوي.
"أساس التهذيب الإسلامي". مخطوط خزانة عامة نقلا عن أسية بنعدادة: الفكر
الإصلاحي في عهد الحماية الحجوي نموذجا. المركز الثقافي العربي. ط1 سنة 2003، ص:
244
[7] رواه أحمد والبخاري ومسلم ..ينظر الجامع الصغير ، حديث 3548.
[8] تعليم الفتيات لا سفورة المرأة الحجوي الثعالبي ، طبع ضمن كتاب الفكر
الاصلاحي في المغرب المعاصرسعيد بن سعيد
العلوي بتصرف ص: 194و195.
[9] المصدر نفسه . بتصرف ص: 200و201.
[10] الحجوي. "الفكر
السامي". م. س. ج2، ص: 533.
[11] "أساس التهذيب
الإسلامي". مخطوط خزانة عامة نقلا عن أسية بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد
الحماية الحجوي نموذجا. المركز الثقافي العربي. ط1 سنة 2003، ص: 244
[12] الحجوي.
"الفكر السامي". ج2 ص:
531.
[13] المصدر نفسه .532.
[14] الحجوي.
"النظام في السلام". الرباط
1928 نقلا عن سعيد بنسعيد: الاجتهاد والتحديث. دراسة في أصول الفكر السلفي في
المغرب. م. النجاح الجديدة. ط2.سنة 2001. ص: 82
[15] الحجوي:
الفكر السامي. م.س ج2 ص: 705.
[16] 19. محمد بن
الحسن الحجوي. "الفكر السامي". م. س. ج1. ص: 14
[17] عبد
الإله بلقزيز. "الخطاب الإصلاحي في المغرب". المركز الثقافي العربي .ط1،
ص: 126.
[18] الحجوي.
"محاضرة: كتب الدراسة للعلوم العربية بإفريقيا الشمالية". مطبوعة كملحق
ضمن: كتاب العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي م. س. ص: 268.
[19] المرجع السابق، ص: 269-270.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق