مدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية

مدونة فكرية إلكترونية مستقلة، تعنى بنشر وتحكيم الـمقـــالات والأبحــاث والدراسات المتعلقة بمختلف العـلـوم والـمعــارف الإسـلامية والشـرعيـــة.

أحدث المواضيع

حقوق النشر محفوظة لمدونة تدليل للدراسات والأبحاث في العلوم الإسلامية . يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الجمعة، 17 أبريل 2020

ضرورة تصحيح المفاهيم الدعوية الخاطئة في العصر الحاضر

ضرورة تصحيح المفاهيم الدعوية الخاطئة في العصر الحاضر


ذ. حكيم القرباص، باحث دكتوراه في الدعوة والثقافة الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً مزيداً، وبعد:
أضحت المصطلحات والمفاهيم من أخطر الأدوات التي توظّف في الصراع الحضاري بين الأمم؛ وإنما نالَت المفاهيم والمصطلحات تلك المنزلة؛ لأنها الوعاء المعبّر عن الأفكار والرؤى، ولا مرية أن دين الإسلام قد تميزّ بعنايته بدقّة الألفاظ، وتحديدِ المفاهيمِ والمصطلحات؛ لبناء الأحكام الشرعية عليها، وكثيرٌ من نزاع المسلمين اليوم سببه ألفاظٌ مجملةٌ، ومعانٍ مشتبهةٌ، حَسَم فيها القرآن الكريم، وقطعت فيها السنّة المشرّفة قولَ كلّ خطيب، فلو أمعن الناظر فيهما فكره، وتطلّب وجه الصواب فيما أشكَلَ عليه من تلك المعاني والمفاهيم، لانجلت له حقيقتها، وتكشّفت له ماهيتها، في مظنّتها ومأْلَفِها.
ويعدُّ مجالُ الدعوة إلى الله تعالى من أكثر التخصصات التي تأثرت سلباً بسبب هذه الظاهرة، حتى أصبح تحديد المفاهيم والمصطلحات، وتصحيح ما وقع فيها من التباس واشتباه، من أولى الأوليات، وأوجب الواجبات؛ 
ذلك لأن قلب الحقائق الدعوية، وتغيير مفاهيمها من الخطر بمكان؛ حيث يؤدي إلى تحريف حقائق الدين، وتشويه معالمه وشرائعه، والبُعد بالدعوة عن سبيلها القويم، ومنهجها المستقيم؛ وإلى ظهور الاختلاف والفرقة بين المسلمين، وشيوع النزاع والشقاق فيما بينهم،
 وكلّ ذلك له أثرٌ رجعي -ولا ريب- على حقل الدعوة إلى الله تعالى.
وقد استغلّت طوائف من الجماعات الدعوية المختلفة هذا الجانب، وطوّعته في سبيل خدمة أغراضها وأجندتها الخفية، وحادت به عن طريق الهدي النبوي القويم، ونأت بنهجه عن وسطية دين الإسلام، وعدله وإحسانه، وسماحته ورحمته، وابتعدت به كلّ البعدِ عن قيمه الخلقية، ومعانيه السامية، وأضلّت به فئاماً من الناس، فأصبحوا لا يفرقون بين المفهوم الدعوي الصحيح المستنِد إلى صريح الكتاب وصحيح السنة النبوية، وبين المفهوم المبني على التّعسف في التأويل، والخطأ في الشّرح والتفسير، وأضحوا في ظلماتِ الشّبهات والشّهوات يعمهون.
فالمتأمّلُ في المفاهيم والمصطلحات الدعوية التي تحتاج إلى تصحيح وتقويم، يجدها تَنَوَّعُ إلى ما يرتبطُ بمنهج الدعوة، -وهي أخطرها على الإطلاق-، وما يقترنُ بمضامينها ومجالاتها، وما يتعلقُ بمصادرها وأصولها، وأسلوبها ووسائلها، وأخرى مرتبطةٌ بأهدافها وغاياتها.
فالدعوة السّريةُ، والإصلاحُ، والتجديدُ، والتطويرُ، والنصيحةُ، والتبليغُ، والمناظرةُ، والحوارُ، والمداراةُ، والقدوةُ، والهجْرُ، والحسبةُ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، والجهادُ، والعلمُ، والإخلاصُ، والصبرُ، والصدقُ، والعدلُ، والمساواة، وغيرها من المصطلحات والمفاهيم الدعوية الكثيرة، أضحت كلّها عرضة للتأويل الباطل، والتفسير المتعسف، من قِبل الجماعات الدعوية المختلفة، حيث انحرفت بها عن ماهيتها وحقيقتها الشرعية، وآضتْ بها إلى مفاهيم محدثة بدعيةٍ.
ولذلك كان من الأهمية بمكان، التصدي لبيان تلك المفاهيم الخاطئة، وتحديد الأسباب الكامنة وراءها، وتوضيح أهدافها وغاياتها، وتحديد ماهية المنحرف بها عن جادتها، مع ملاحظة عظم المسؤولية الملقاة على عاتق الدعاة، وجلالة المهمة التي أنيطت بهم؛ ولأن الإنسان معرضٌ للخطأ على الدوام والاستمرار، لكن خطأ الدعاة ليس كخطأ غيرهم، فإن أثر خطئهم يطالُ كلّ من بلغهم خطابه ودعوته، وقديماً قيل: زلّةُ العالِم، زلّة العالَم.
ولا ريب أن التفاريعَ المتعلقة بكل واحدٍ من تلك المفاهيم التي سبقت الإشارة إليها آنفاً، والخوض في جزئياتها وتفاصيلها، يحتاج إمعان نظر، ومزيد تأمل وفكر؛ لاستجلاء غوامضه، واستكناه أسراره ومراميه، وكل ذلك مما يضيق عن شرحه هذا المقام، ولا مطمح للاستفاضة فيه، ولعلّ الله ييسر إفراد كل واحدٍ منها بمقالة خاصة، تتناوله بالبيان والتوضيح، والشرح والتعريف، وتحرر مبانيه ومعانيه، وتبرز إطلاقاته الشرعية الأصيلة الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة، مع بيان المعاني التي استُحدثت فيه، والمفاهيم الخاطئة التي ألحقت به، وكيف أثر ذلك كله على مسار الدعوة إلى الله تعالى، على أمل أن تساهم هذه الكتابةُ في ردّ الدعوة إلى الحال التي كانت عليها في عصرها الأول، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق