القيم الكونية بين الإطلاق والتقييد أيام وباء الكورونا
الأستاذان الباحثان: حمزة فزري، عبد الله البقالي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان
على خير خلق الله أجمعين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد:
هذه كلمات مركزة العبارة في موضوع مهم شغَل الأفكار
اليوم ولا يزال يُحرِّك كثيرا من الأقلام والأقدام ويُسيل كثيرا من المداد، بعضُها
جرَت في واديها وأخرى انجرفَت في جداول المتاهات باحثة عن الخلاص في خيوط هي أقرب
إلى الادعاءات أو المغالطات منها إلى الحقائق والبراهين البينات، ذلكم هو ما نراه
من تطبيقات حضارية للقيم الكونية في أيام الكورونا، ولو زعم رجلٌ أنه لم يشغل
الناس من مبادئ الاجتماع ومشاكل الفلسفة في هذيْن القرنين الأخرَين مثلَ مبادئ حقوق
الإنسان والحرية خصوصا والقيم الكونية عموما ولم يستشكلوا ويستصعبوا أكثرَ من
تحديد حدودها وتفصيل طرُقِها وخصوصا فيما يتعلَّقُ بحيِّز الأخلاق والأديان لما
بَعُدَ عن الصواب.
صحيح أن الموضوع ليس نفلا من القول أو تفكُّها من الفكر،
يَستحِقُّ–لا شك- الجرأةَ في الاقتحام والعنايةَ والاهتمام على بساطات الندوات
والمؤتمرات والمقالات والمؤلفات، لكنه أيضا ليس ذلك الموضوع السهل الذي يقبل أن
يجتزأه الأبعدون وغير المتخصصين، بل إن مما يزيده صعوبةً ويُضرِم الاختلافَ حوله
أكثر هو تعميماتُ العمومِ وسطحيُّ الفهوم، وتناوُلُه دون تدقيقٍ في المفاهيم ولا
تأصيلٍ في الفلسفات مع تشويشِ الإعلام وتعصُّب التيارات وتحكُّم السياسة
والتغرُّبِ في التغريب.
فمن ثمَّ جاء هذا المقال محاوِلا تجاوز هذه المنحدرات والإسهام في سدِّ شيء من هذه الثغرات، لا كلمةً ختامية حاسمة تقطع دابر الاختلاف أو تكمم الأفواه عن الخوض، بل كلمةً أوليةً تسعى إلى تصحيح طريقةِ تناوله بإخراجه من تعتيم التعميمات وزوبعةِ الشعارات ورفعِه إلى أفق البحث الفكري الدقيق والحوار الاجتماعي الناضج الراشد، كما يُفتَرَضُ أن يكون من أهلِه بأدبِه وعلى قاعِدَتِه.
فنقول، وبه سبحانه نصول ونجول:
كما أن الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه لا تقوم له حضارة ولا
يستمرُّ له وجود إلا بالتعاون والاجتماع؛ فإنَّ الاجتماعَ مُتَخَلِّقٌ بطبعه، ولا
يمكن أن يتأسَّسَ اجتماعٌ أو ينهَضَ عُمرانٌ إلا بالقيَم والأخلاق، وعلى قدر
تناسُقِ الجماعة في قيَمها تكون في لحمتها وتماسُكِها، وعلى قدر اعتصامها
وتشبُّتِها بها يدوم استمرارُها ويطول أمدُها، وعلى قدرِ سمُوِّ قيَمها واعتدالها
يكون سموُّ حضارتِها وجلالُها. فالقيَم للاجتماعِ إذَن بمثابة وشائج العروقِ التي
تصلُ بين أعضاء الجسد الواحد، لا يزال في خيرٍ ما كانت، فإذا أُصيب في عِرقٌ واحد
منها كانت الجلطة والشلل وفساد المزاج واعتدال الأركان،
إنما الأمــــم الأخــــــلاقُ ما بَقِيَــــــــت ~~~
فــــــإن هُم ذَهَبـــــتْ أخلاقُـــــهُم ذَهبـــــــوا
وعلى أرضية هذه القيم تنشأ التقاليد والعادات، وفي ضوء
هذه التقاليد والعادات تُسَنُّ الشرائع والقوانين، وعلى خطة هذه الشرائع والقوانين
تُساسُ الجماعة وينهضُ العُمران، ومن مجموع ذلك كلِّه تتكوَّن وتزهو الحضارة، وعلى
قدرِ تمايُز تلك القيم تتنوع الحضارات فتتقاربُ أو تتباعَدُ فهي بمثابة الحَبِّ
للغَرس؛ فنواةٌ تُنتِجُ قمحا ونواةٌ تُنتِجُ قُطنا، ثم إذا هذا لباسٌ يُدفئ
العريان وذاك طعامٌ يُشبِعُ الجوعان، وكما يقول المهدي المنجرة في مقدمة كتابه
القيِّم (قيمةُ القِيَم) : "القيم هي الفَرقُ الذي يصنَعُ الفَرقَ."[1]
وليس بالضرورة أن تمتاز هذه الحضارات في جنس القيمِ
فتأخذُ كلٌّ منها وتدَع، فإن هذان مَن تدبَّرَ أقلُّ مجالات هذا التميُّز وأضعفها،
بل الأكثرُ أن تتفق الحضارات المزدهرة في جنسِ قيَمها وخصوصا في أوان نهضتِها
واستحكام عُمرانِها فلا تتفاقَم الفوارقُ بينَها من هذه الجهة إلا بعد انحدارها
وازدلاف احتضارها حيث تكثُرُ القيمُ السلبية وتنمحي القيَمُ الإيجابية مما
يُعجِّلُ بانمحاء الحضارة من أرض الواقع، فقد يكون التمايُزُ هنا من خلال سلَّم
القيَم يُرَتِّبُها الأهمَّ فالأهمَّ مما يجعل للقيم الأقوى أرجحيةً على غيرِها
عند افتراض التعارض، بل ويُفتَحُ لتلك القيمةِ الغالبة بابُ الامتزاج بسائر القيم
حتى تصيرَ كأنها جزء منها، ومن ذلك تصبح لكلِّ أمة أو ملة قيمة كبرى هي الصبغة
العامة لسائر القيَم والعنوان العريض الذي يندرج تحته كل ما عداه، ومن هذا
الاعتبار يصح قول العلامة الأديب محمود عباس العقاد في كتابه الفريد (الله) :
"المسيحية دين الحب .. والإسلام دينُ الحق."[2] وإلى هذا المبدإ، مبدإ سُلَّم القيم واصطباغها بالقيمة
الأقوى، يشير قول النبي صلى الله عليه وسلَّم: ﴿ لكلٍّ دين خُلُق، وخُلُقُ
الإسلام الحياء.﴾[3] أشار إلى أنَّ لكلِّ ملة قيمة كبرى تسبغ سائر قيَمه وأن
تلك القيمة بالنسبة لملة الإسلام هي قيمة الحياء.
ولربما صحَّ
أيضا أخذ مبدإ تعميم بصبغها لغيرها من قول الله تعالى في صفة رسول الله صلى الله
عليه وسلَّمَ وصبغةِ رسالته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء، 107]
فإن الآية من حصرِ الموصوف في الصفة ولا يكون هذا النوع من الحصر إلا حصراً إضافيا
من باب القلب أو الإفراد أو التعيين كما هو مُفصَّلٌ في علمِ البلاغة، غير أننا
إذا حملناها على معنى أن الرحمةَ هي القيمة التي تصبغ كل أوصافه صلى الله عليه
وسلم، فما من صفةٍ له إلا وتجد في جزءٍ من أجزائها ومظهرٍ من مظاهرها جانبا من
جوانب الرحمة فيصحُّ حينها حملُها على الحصر الحقيقي الذي هو الأصلُ في باب الحصر
لأنَّه لن يؤدِّيَ بهذا التأويل نفيِ الصفات الأخرى وأضدادِها.
وقد قعَّدَ هذا المعنى الطاهر بن عاشور بقولِه في
تفسيره:
"وفيه إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم اتّحد في الرحمة وانحصر فيها، ومن المعلوم أن عنوان الرسولية ملازم له في سائر أحواله فصار وُجوده رحمة وسائر أكوانِه رحمة وتفصيلُ ذلك في مظهرَين؛ الأول تخلُّق نفسِه الزكية بخُلُق الرحمة والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته، قال أبو بكر محمد بن طاهر القيسي من تلامذة أبي عليٍّ الغسَّاني: زيَّنَ الله محمدا بزينة الرحمة فكان كونُه رحمةً وجميع شمائله رحمة وصفاتُه رحمة على الخلق."[4]
ومن أمثلة هذا الاصطباغ أيضا خُلُق الكرم وخصلةُ القِرى
عند العرب حيث جعلوا صفةَ الكريم وصفا جامعا لجميع المكارم النبيلة فهو عندهم
بمثابة النبيل عند الأوروبيين، واشتقوا من الاسم(المأدُبة) لفظة (الأدبِ)
التي تشمَلُ جميعَ الأخلاق الحسنة، وفي هذا يقول العلامة الصادق الرافعي مفصلا
ومعللا إطلاق العرب لفظة الأدب على الأخلاق:
"يقولون، أي: العرب، أدَبَ القومَ يأدُبُهم
أُدباءَ إذا دعاهُم إلى طعامٍ يتّخذُه والقومُ أهلُ بادية مُقفِرةٍ تأكُلُ فيه
الشمسُ حتى ظلَّها .. فإذا هلكَ فيها الزادُ هلَك حامِلُه، وإذا لم يدافع عن نفسِه
بأسلحةِ فمِه؛ فالجوعُ قاتِلُه، ولذلك تمدَّحوا من أقدمِ أزمنَتِهم بالقِرى وعدُّوه
من أعظَمِ مفاخِرِهم، لأنه شريعة الطبيعةِ التي أدَّبَتهُم هذا الأدبَ، بل هو
شعرُها في أخلاقِهم إذ ارتقى بعد ذلك بارتقاء الشعرِ حتى تخرَّقوا فيه كما يُؤْثَرُ
عن كرمائهم وأجوادهم ممّا استوعبَته كُتُبُ المحاضرات. فلما كان هذا الخُلُق مظهرَ
الشيمِ الصالح فيهم وحقيقةَ الأدب الطبيعي منهم وأرقى معاني الإنسانية عندهم،
لأنَّه ليس وراء إمساك الحياة على الحيّ غايةٌ توسعوا فيه بمقدار ما بلغوا من
رُقيِّ الآداب وجعلوه تعريفا نفسيا كما مرَّ، ولا بد أن يكون ذلك بعد أن ارتقَوا
في اجتماعهم واشتبَكَت العلائق بينهم حتى أَخذت الفطرةُ الطبيعية تمتزج في أكثرهم
بما يُخالطها من صنعة الاجتماع وكان ذلك سببا في انتباههم إلى هذا الوضع لأن الأدب
على اختلاف معانيه إنما هو ردُّ النفس إلى حدودٍ مصطلَحٍ عليها اصطلاحا
وراثيا."[5]
وقد يقع التمايُزُ الحضاري في القيم إضافة إلى ما تقدَّم
في سلم القيم ومبدإ الاصطباغ الذي لم يكن إلا نموذجا للتمايُز في فلسفة القيم والجانب
التنظيري لها في مجال آخر متأثِّرٍ بالجانب التنظيري لعلَّه أوسع مجالات التميُّزِ
وأثراها هو مجال التنزيل والتطبيق، فقد تتباين الأُمّتان في تقويم فعلٍ ما
إلى التناقض والتضاد مع اتفاقهما في أصل القيمة ومبدئها،وهذا
مثلما يُذكَرُ عن بعض الأمم البدائية (شعب الإيسكيمو) أنهم يعتبرون قتل الوالد
العجوز بقذفه في حفرة ثلجيَّةٍ من أعظَم أنواع البرِّ ! حيث كان له من ألم
الشيخوخة ما يستحق به الرحمة ! فيُبارَك من يُبادِر إلى إعداد الحفر ويُعيَّرُ من
يُقعِدُه ضعف العاطفة دونها مع إيمانهم التام بقيمة البر وشناعة القتل!
.. هذا الباب، أعني اختلاف التطبيقات في القيَم، من أعظم
حجج المدرسة الوضعية الآخذة بالنسبية في الأخلاق حيث يُكثرون إيراد أمثلة من هذا
النوع على المدرسة المعيارية الآخذة بالإطلاق فيها. والحق أن القائلين بالإطلاق لا
يُنكرون هذا الاختلاف فإنها ليست راجعة إلى أصل القيَم إنما هي تطبيقات وتشكيلات
ظرفية وآنية، بل هي أولى أن تكون دليلا آخر على هذه الطلاقة حيث يثبُت أصلُ القيمة
مهما تباينت أشكال تشكُّلها وظروفُ أصحابها.
وإنه مهما يكن من شأن هذه القيَم التفصيلية وتمايُز
الأمم فيها واختلاف الحضارات في تناوُلِها فإن ثمتَ إلى جانبها قيما عامة هي
بمثابة كليات جامعة لِما تحتها أو شروطٍ ضرورية لها؛ هي التي أمسَت تُسام في
الأوساط الثقافية بالقيم الكونية لما غَلب على الناس من القول بشمولها رغم غلبة
المذهب النسبي فيهما. ومن أبرز هذه القيم العدالةُ والحرية والكرامة وحقوق الإنسان،
وهي بجملَتها كليّات تجمعُ في طيَّاتها عدة قيَمٍ وتنفرد الحرية من بينها
بأن لها جانبَين؛ جانبٍ يجعلُها قيمة كليةً وهو المتمثلُ في إعطائها وتمتيع الناس
بها، وجانبٍ تكون فيه شرطا مصحِّحا لسائر القيم وهو الجانب المتعلِّق بممارستها.
وغرضنا هنا تقريرُ أن هذه القيم الكونية مع التسليم بعمومها وكونيتها إقرارا بواقع الحال من جهة وإذعانا لمقتضى طلاقة القيم من جهة أخرى فإنها كغيرها من القيم تعتوِرُها النسبية على مستوَيَيْن اثنَين، بل لربما كانت حصتها من هذه النسبية أوسع نظرا لاتساع نطاقها.
المستوى الأول: مستوى التأصيل الفلسفي لهذه القيمة أو تلك ابتداءً من
تعريفها وكيفية إثباتها وانتهاءً بموضعها من سُلّم القيم ومدى حدودها وعلاقتها
بالقيم الأخرى. وقد يُستَغرَب ويُستَبعَدُ باديَ الرأي كيف تدخل النسبية تعاريف
القيم الكونية مع أنه لا أقل منها بداهةً ولا أجلى منها وضوحا، والحق أنه كما قيل:
"ومن شدة الظهور الخفاء"[6].
ومن أقدم النماذج على صعوبة تعريفها ما ورد في محاورة لطيفة عند أفلاطون في كتابه
(الجمهورية) بين سقراط وبوليمارخس حيث سأل سقراط ما هو معنى العدالة؟ فأجاب
بوليخمارخس: "العدالة هي أن يُرَدَّ لكلٍّ ما له" وظنَّ أنَّ
الأمرَ من الوضاحة بحيث يستغني عن كلِّ مباحثة، فردَّ سقراط مستشكلا في إيراد طويل
قولَه في التعريف ما له.[7] وبعد مراجعات ومحاورات طويلة اعترف الحكيم الأكبر سقراط
بأن كلَّ هذه المباحثة لم تُجدِه شيئا في معرفة معنى العدالة.[8] وإذا استدعى تعريف العدالة كلَّ هذا اللجج فما أحراه
باختلاف الآراء حوله وتزاحم المذاهب عليه ! وإذا دخل الاختلافُ والنسبية (العدالة)
في تعريفها فأنْ تدخُلَ أحكامها وتفاصيلها أحرى وأولى !! وكما يُقال: عند التفاصيل
تكمنُ الشياطين، وما يُقال عن العدالة يُقال عن غيرها أيضا، ومن ثَمَّ وجدنا
التنظير الفلسفي لكرامة الإنسان في المسيحية غيرَه في الإسلام، غيرَهما في المذاهب
المادية، بل قد تجده مغايراً من هذا الفيلسوف إلى ذاك في التيار الفكري الواحد،
ومن الأمثلة على ذلك اختلاف أرسطو وشيخه أفلاطون وهما شيخا المذهب العقلي في أصل
القِيَم، فقد بنى أفلاطون مذهبَه في القيَم الأخلاقية على نظريَّتِه في المُثُل
بينما جعل أرسطو صُلبَ نظريَّتِه الأخلاقية نظريَّة الأوساط التي تقتضي أن الفضيلة
دائما وسطٌ بين رذيلَتَين.[9] ومثلُ هذا الاختلاف في المنطلَق سيكون له أثر وأيُّ
آثار.
المستوى الثاني: النسبية في تطبيق القيم وتنزيلها وهو في أغلبه متفرع
على الشق التنظيري إذِ العلم دائما رائدُ العمل غيرَ أنه راجعٌ في شِقٍّ منه كذلك
إلى الظروف الاجتماعية التي قد تفرِضُ هذا الشكل أو ذاك من أشكال التطبيق، وإذا
كان اختراع آلة واحدة في العمران يُغيِّرُ الكثير من العادات والقواعد العملية
فيتغيَّرُ المناخ والتضاريس واللغة والذكريات ونوع الحكم وأساليب التربية حريٌّ أن
يُباينَ كلَّ التباين بين هذا الاجتماع وذاك، فالاختلاف في هذه الأمور هو الأصل، ولذلك
كان الحيز في الاتفاق على أصل القيم أكبر دليل على طلاقتها وفطريَّتها. وتفاصيل
هذه الاختلافات بين تطبيقات هذه القيم لا يُحصيه إلا الله، وتتبعها والوقوف على
علة الافتراق فيها مستحيل أو جد عسير.
فبينما ترى حضارةٌ أنَّ العدل في انتقال الثروة والألقاب
الشرفية إلى الولد البِكر فقط ترى أخرى أن تَقسم الثروة بين جميع الأبناء بالتساوي،
وتذهبُ جماعةٌ ثالثةٌ إلى إعطاء الذكر مثلَ حظ الأنثَيَيْن وتُفضِّل رابعةٌ حرمان
الإناث رأسا، وتعتمِدُ خامسةٌ أنَّ ذلك إلى وصيةِ الهالك يُعطي من يشاء ويمنع من
يشاء .. ولكلٍّ منهم اعتباراتُه وتعالِيلُه التي هي في نظَرِه رأسُ العدالة
ونموذجها، وصدقَ الله العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم﴾
[الأنعام،109]
وتأسيسا على كل ما سلف لا بُدَّ من أن نُفرِّقَ في الأخذ
بالقيم الكونية بين روح هذه القيَم وتطبيقاتها فإنَّ القيمَ
كونيَّةٌ في روحها ولكنَّ تطبيقاتها محلِّيَّةٌ نسبيَّةٌ ترتبطُ بمنظومات
وجذور عميقة لا تزول إلا بزوال الحضارة ولا تنتقلُ إلا إذا ذابت جذور الحضارة
المستقبلة وتلاشت قيمُها، ومن هذا كان نقل العناصر المعنوية من حضارة إلى أخرى
أكثر مقاومةً من العناصر المادية كالأجهزة والآلات.[10]
وينبغي أن نعرِف أنَّه وبخلاف ما يخاله بعض المتغرِّبين
انخداعا منهم بالشعارات البارقة أن الغرب شديد التمسك بجذوره الثقافية التي تراكمت
فيه عبر عقود وقرون، وهو رغم تشدُّقِ كثير من أبنائه بالإلحاد واللادينية فإنَّه
مُقِرٌّ على الجملة بدور الخلفية الدينية والإرث الثقافي في منظومة قيمة وفلسفة
حضارتِه، وهو مهما سارَ على قديمِه واستجدَّ في منظوماته وقيَمه فإن الثابتَ الذي
لا سبيل إلى إنكاره هو أنَّ نهضتَه وثوراته لم تكن رفضا لواقعٍ فاسدٍ راهنٍ إلا
بقدر ما كانت رجوعا إلى جذوره الحضارية الأولى في الثقافة اليونانية والقيَم
الرومانية وما إليها.
أصغِ إن شئتَ إلى المدرسة الاجتماعية الوضعية وهي
تحلِّلَ بُنى الضمير الأوروبيِّ مُقِرَّةً أنَّ بعضاً من هذه البنية نشأ حديثا
وبعضا منه صدر عن المسيحية وبعضا منه راجعٌ إلى أصول أبعد من المسيحية.[11] وجاء
في كتاب (تأملات في الثورة في فرنسا) لإدموند بيرك من أكبر مفكري وسياسيِّي
الإنجليز في عهد جورج الثالث أن واضعي حقوق الإنسان لم يستطيعوا التحرر من أغلال
الدين والتقاليد. بل وفوق ذلك صرَّح كثير من فلاسفتهم ومفكريهم أنَّ حقوق الإنسان
التي تُعَدُّ عند بعض الناس أشمل القيَم وأعمَّها للبشر وأرقى ما وصلت إليه منظومة
قيمية عبر التاريخ مستَمَدٌّ من القيم المسيحية! وقد قرر الفيلسوف كارل سميث في الفصل
الثالث من كتابه (اللاهوت السياسي) أن منظومة القيَم السياسية في الغرب مُعلمَنة
من القيَم المسيحية. وتفطَّن بعض كبار المفكِّرين والفلاسفة العرب الذين عرفوا
الغربَ عن قريب واختلَطوا به عن كثب وتبوَّؤوا أرقى المناصب في مؤسساته الثقافية
والعلمية؛ أنَّ الغربَ إنما يصدُر عن قيَمِه السياسية أبداها أو أخفاها، ومن ذلك
ما أكَّدَه علّامةُ المستقبليات المهدي المنجرة غيرَ ما مرة في مكتوباته ومسموعاته
أنَّ إنما يتحرَّك في سياسته حسب القيَم المسيحية واليهودية.
وإذا تلمست فيما سبق فطريةَ القيم الكونية في روحها،
واهتدَيتَ إلى وجود فرقٍ بين روح القيمة وتطبيقها، وعرفتَ بأن التطبيق له ارتباط
بالجذور الفلسلفية والخصوصيات التشريعية لكل حضارة أكثر من ارتباطه بالفطر؛ سهُل
عليك تحليل التناقض الظاهر بين تمسك الغرب بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الكونية
وكذا تبجحه بأهداف التنمية المستدامة، وبين تطبيقاته لهذه القيم والأهداف.
نحن نرى اليوم في زمن الكورونا والوباء تضحيةَ الغرب–في سبيل الشباب ومستقبل البلاد- بالأجداد والآباء وفي نفس الوقت تفانيه –الظاهر- في البحث عن ما ينقد الإنسانية من مرهم ودواء ! ولا عجب في ذلك لأن النقاش الكوني لم يأخذ مساره لعقود.
ففي الوقت الذي كان الأقوياء يُغيِّرون القيَمَ في تطبيقاتها
كان باحثو الأمة الإسلامية يعتنون بروحها، فإذا بالعالَم يتغيَّرُ في ظاهره
وحركتِه بسلاسةٍ ما دام البحث الإسلامي قد اتجه بغالبيَّته إن لم نقل بكلِّيَّته
إلى ما يمسى في استراتيجيات الحروب بــ"بؤرة الصراع الوهمية" حيث
ترسل إليها البعثاتُ أقواها وأذكاها ظنا أن الخلاص في حسم الصراع فيها، فإذا
بالبؤر الحقيقية قد سَلِمَت للخصم، وهو هنا إهمال بحث محاسن (فلسفة) التطبيق
الإسلامي بتجميد الدور الفلسفي لـفقهائه، واقعاً في فخ استهلاك بحوث الروح القيمي
الكوني والمشترك الإنساني من قِبَل طاقاته! في الوقت الذي كان ينبغي التوجه إلى
مشروع إسلامي كبير يتم فيه إبراز محاسن التطبيق الإسلامي للقيم من خلال فروعه
جزئيةً جزئية في تراث فقهي زاخر بالتعليل والتوجيه النابع من روح تشريعية قيمية
صافية.
ولا نعني بذلك إبراز هذه الفلسفة في كلياتٍ كما هو صنيع إمام
المقاصد وفلسفة التشريع أبي إسحاق الشاطبي، وإنما القصد هو الاتجاه نحو الثروة
الفقهية التي خدمتها عقول جبارة تعاقَبت في المذاهب الفقهية ودأبت على السقل إزاء
النقل والتعليل خدمة للنظير والمثيل .. كل ذلك كان منظومة تطبيقية للقيم
متناسقة تحفَظ روح القيَم وتشهد بطلاقتها. وقد حاول المُحَرِّرُ
الكبير الطاهر بن عاشور أن يضع لبنة أخرى في هذا الباب فاقتصر في الجزئيات على ما
يتعلق بأصول بعض الأبواب التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس، فانظره إن شئت في
القسم الثالث من كتابه الماتع "مقاصد الشريعة الإسلامية".
إذا كان البحث الإسلامي قد اتجه قرونا إلى الاعتناء بالتطبيق (التفريع)، ثم انقلبَ هذا التفريع جمودا في بين المنتسبين المعاصرين للتشريع، فلا بد أن نتساءل عن سر هذا الاهتمام الزائد بالقيم المشتركة؟! ألم تكن كونيَّتُها واتفاقُ العالمين حولها خليقان لأن تكفينا كثرة العجيج والضجيج حولها؟! وكثيرا ما يكون ذلك للأسف الشديد في أوساطنا الفكرية العربية عجعجة بدون طحين.
وبالمقابل:
ألم يكن الأولى-والحالة هذه -صرف الجهد لتدعيم القيم الخاصة والتنظير لخصوصياتنا في تطبيقنا للقيم الكونية؟ فهي التي تختص بنا وهي التي لا يقوم بها أحد إن لم نقم بها نحن، وهي الأَولى باستفراغ الجهد في الاستدلال عليها إلى أن نرجع بها لتلك القيم التي تُوسَم بالكونية كما يُرَدُّ كل فرعٍ إلى أصله.
فإذا فعلنا الْتَفتنا إلى تخليةِ نقاط التوفق في تطبيقنا الخاص إن
كنا لا نزال مؤمنين بعدُ به .. أو قُلْ: مؤمنين بأنفسنا وامتدادنا الوجودي والحضاري
إذ ليس الإيمان بالخصوصيات الثقافية إلا الإيمان بالذات كما تقدم وأُلفِت إليه. فما
سر هذه النكسة عندنا معشر العرب؟ وما خلفية هذا القلب الأليم بلا نون ولا ميم؟
لعل الجواب عن ذلك يتضح لنا أدق ما يكون وأجلى حين
نستحضر السياقات الثقافية لهذه النقاشات المثارة، ونقترب أكثر وأكثر إلى الفكريات
السائدة عند الأقطاب المحركين لها، وذلك كما لا يخطئه الباحث -إذا أعمل النظرَ والتأمل وعايَن بعينِ
التحقيق- راجعٌ إلى التالي:
ليس الاهتمام بالقيم بالمشتركة عند أكثر هؤلاء في حقيقته
إلا تسويغ التطبيق الغربي لها في صورة مغالطة، حيث إنها مارست التعميم في العنوان
مع الإبقاء على التطبيق الغربي الخاص، أما بالنسبة للغرب المصدر فكما عوَّدَنا
دائما في مغالاته بإطراء نفسِه واعتبارها النموذج الإنساني الأكمل الأتم أو على
الأقل الإنسان الذي لا إنسان إلا هو سبحانه.!. ومن جهة أخرى تسويغا منه لاجتياحه
الثقافي واستعماره الأخلاقي والمعرفي حيث يبرز للعموم أنه لا يفرض على الناس
ثقافته الخاصة فما كان له ليفعل وهو الذي لا يفتؤ يضحي لأجل الحفاظ على الثقافات
البائدة ويحض على احترام الخصوصيات وضمان الحريات ! إنما يدعو حين يدعو إلى القيم
الكلية الكونية التي هي مشتركٌ عام عند بني آدم أزلا وأبدا ﴿فِطرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾[الروم،30].
وإذا كانت أسماء
هذه القيم عامة شمولية فلينتهز هذا الغربُ إذن ما دامت بيده دواليب الأفكار ويصدر
المصطلحات كما يصدر الآلات والمعلبات و ليشحنها بخصوصياته وليُضَمِّنْها تطبيقَه
الخاص ولا عليه من التضليل ما دام يسجلها باسم تجاري عالمي. هذا من ناحية المصدر
أما من ناحية المستورد فقد انساق إلى هذه فئام ونُخَبٌ غفلةً من بعضه وتسترا
بالدعوة إلى الاغتراب تحت عباءة الدعوة إلى الكونية.
فالخلاصة إذن أن هذا التركيز على الكونية إنما هو لعبة
لفظية يراد منها التسويغ للتطبيق الغربي -الذي مع احترامنا له بصفته منظومة ثقافية
تفرض نفسها بالكهرباء والتلفاز- فإننا لا نخوِّلُ لها أن تَلبس غيرَ عبائتها
وتتسمى بغير اسمها وتفرض نفسها على غيرها، فالعبرة بالمعاني لا بالمباني. وأما
دليل هذا الافتراض فلن يعجز القارئ أن يراه في أخلاق القوم ومنظومتهم القيمية
ومواقفهم الفكرية من هذه القضية أو تلك ليتواترَ-والتواتر يفيد العلم اليقيني
بشروطه- أنَّ قيم هؤلاء قيمٌ غربيةٌ لا قيم كونية!
وإن سميت بغير اسمها فالحقيقة تكشف عن نفسها، وخصوصا أنهم وإن تواروا على مستوى التنظير
بألقاب الكونية الطنطانة فإنهم عند التطبيق مجاهرون مصارحون، لا يوارون ولا يمارون،
خصوصا عند المحن والإحن والبلاء والوباء.
فلا عجب في أيام الكورونا من إكرام الغربِ ذي الشيبة بالتصفية باسم التضحية، ولا من قطع طريق الموارد الطبية بَرّاً وبحرا باسم حب الشعب، ولا من السرقات العلمية باسم حق التكوين، ولا من إجبار المستعمرات على تكَلُّف التطوع قهرا بإرسال أطقمها المساعدة تحت اسم الوفاء ورد الجميل..وغير ذلك من محاسن التطبيق الغربي التي أظهرها الله في طيات مخبوء القدر فجعَلَها شاهدا على قيَمٍ كونية بلا روح ومطلقةً تستحيل إلى نسبيةٍ بفعلٍ سياسيٍّ ماكر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[3]
الموطأ، كتاب حسن الخُلُق، باب ما جاء في الحياء،
رقم: 2634. مرسل من طريق يزيد بن طلحة بن ركانة، ووصله وكيع من طريق بن مالك عن يزيد بن
طلحة بن ركانة عن أبيه.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق