هل الله «محسُوسٌ»؟ (جوابٌ في علم الكَلام للحسَن اليوسيّ)
ذ. محمد عبد اللطيف الراضي، باحث في علم الكلام والعقيدة.«ولا نلتفتُ إلى من يحرّمُ علوم الفَلسفةِ
والمَنْطقِ»
اليوسيّ
........
ما تقرأه، أدناه، ليسَ
سوى تحليلٍ لطرفٍ هامّ من سيرة أبي علي الحسن اليوسيّ (1102 هـ/1691م)، وعرضٍ
منسّق لها بنحو مَا؛ معَ تحليل وعرضِ لنصّ في جواب اليوسي عمّا إذا صحّ وصف الله
بكونِه معنويّا أو محسوسًا، أم أنّ الوصفَ بهما ممّا يمتنعُ عقلاً، وشرعا، وهي
مسألة مثارة، قديما، بتفريعات فلسفية وطبيعة في التقاليد الكلامية المعروفة في
الحقب التقليدية والوسيطة من تاريخ الفكر الإسلاميّ.
والنصّ، كما سترى، نشرَ
نشرة وحيدة عن مخطوطٍ وحيد معَ نصوصٍ أخرى لليوسي؛ رغم أنّ شيخ الجماعة ابن حمدون
السّلميّ (ت. 1273 هـ/1857م) - أحد كبار فقهاء المغرب من المتأخرين - كانَ قد ضمّن
نصّها في أحدِ كتبه الأكثر تداولا مدرسيّا إلى اليومِ في التعليم والتدريسِ
الدينيّين ببلدان الغرب الإسلاميّ وفق المذهبين الأشعريّ والمالكيّ. وقد سمح لي
المقال بعرضِ النصّ، بعد سلِّه من كتاب شيخ الجماعة، وبيان الفروق الحاصلة بين
نشرة الدار البيضاء، ونصّ عمل ابن حمدون؛ دونَ الرجوع إلى الأصول الخطية لأسبابٍ
ما، ويبدو أنّ شيخ الجماعة كان قد أثبت النصّ من موردٍ مغاير لما عرف في نشرة
الثمانينات.
هذا وقد عرضتُ الفروق
على شاكلةٍ غير معهودة في النّشر والتوثيق أحسبها نزقًا عابرا مني قد يثير حفيظَة
بعض الدارسين. وأيّا كان فما أبديه، هنا، أقلّ، بكثير، ممّا عندي في ذا المقامِ
على الأقلّ؛ لأسبابٍ تتعلقُ برسمِ النّشر، وموضعِ المقال منْه، وشيوعِ الأخذِ بلا
إحالاتٍ ممّا تنكفُ عنْه أيدي الباحثين الجادّين.
1. اليُوسي دارسًا لـ«علم الكلام»:
في فهرسَته العلميّة، يذكر لنَا أبو عليّ اليوسيّ
(1102 هـ/1691م) طرفًا من البرنامج العلميّ الذي كانَ منتظمًا تحته في تحصيل
العلوم الدينيّة، وغير الدينيّة من تفسير، وحديثٍ، وفقهٍ، ولغة، وحسابٍ ... وغيرها
من المعارف التِي كانتْ، كما هو معروفٌ، رائجةً في السياق المدرسي المغربيّ آنذاك؛
أي في القرن السابع عشر الميلادي.
ما يهمّنا في هذا
البرنامجِ التعليميّ هو ما تلقاه اليوسي من معارفَ كلامية عقائديّة، وعقليّة جعلته،
فيما بعدَ، مؤلّفًا بارعًا في علم الكلام ومسائلِه الدّقيقة؛ وعلى هذا فإنّي أجتزأ،
بعرضٍ منّي، ما درسَه في علم الكلام من فهرستِه
التي تمدّنا بمعطياتٍ مهمة.
بعدَ أنْ قرأ اليوسي القرآنَ، وختمه حفظًا – مشيرًا إلى تعهده على ذلك
دائما - ؛ بدأَ دراسَة العلوم الدينية، وغير الدينيّة عنْد جماعة من الأساتذة أو
«شيوخِ التعليم» - كما يسميه في موضعٍ خاص لهم في الفهرسة - (اليوسي 2004م: 50،
51، 52).
يمكن القول إنّ أوّل ما
أخذه اليوسيّ في علم الكلام أو العقائد كانَ «شيئًا
من الدياناتِ، وصدرًا من رسالة الشيخ أبي محمّد» القيرواني (ت. 386
هـ/996م) عنْد أستاذِه أبي محمّد الحسين بن أبي بكر التعلاليني (ت. ؟) (اليوسي
2004م: 53). لاحقًا سيبدأ اليوسي في تطويرِ وترقية مدارج الدراسَة، فيدرس على أبي
محمد الحسين بن أحمد المَدوري (ت. ؟) «منظومة
الرّقعي في الدّيانات» (؟)، ثم جملةً من «الرسالة» القيروانيّة عنْد الشيخِ أبي بكر بن
الحسن التطافي (ت. 1100 هـ/1688م). وسيُدخل، فيما بعد، أساتذته في مقرّرات الدرسِ
أعمالَ المتكلم المغربيّ السنوسي (ت. 895 هـ/1490م) الذائعة حينها؛ حيث سيدرس
اليوسي على الفقيه أبي عبد الله محمد ابن السيّد الحسيني (ت. 1089 هـ/1678م) العقيدة «الصغرى»، و«جملة
من الرسالة». (اليوسي 2004م: 54؛ 57).
وقد كانَ أبو مهديّ
عيسى السًّكتانيّ (ت. 1062 هـ/1651م) – المعروف باشتغاله في العلوم العقليّة – ضمن
أساتذته في المنطقِ والكلامِ؛ حيث قرأ عليه «جملةً من محصَّل
المقاصد لابن زكريّ» (ت. 899 هـ/1494م)، ثم انتقل إلى دراسة «كبرى الشيخ السنوسي، مع شرحها» عند أستاذه أبي العباس عمران الفاسي (ت.
؟) (اليوسي 2004م: 58، 59، 62).
ويحكي لنا اليوسي
استجازته لبعض أساتذته لما كانَ في الزاوية الدلائية، في فترة من حياتِه، حيثُ
قدّم له بعض أساتذته «إجازات» خطيّة تنزلً منزلة شهادة له بأنّه بلغَ درجة علميّة
رفيعَة، بعد أنْ استوفَى مراحل التعلّم الأساسيّة، وحصّل من المعارف ما يؤهّله
للتدريس، والتأليف، وإبداء آراء معتبرة، وومّن أجازه يذكر اليوسي أستاذه محمد بن
سعيد الميرغثي (1089 هـ/1678م)، والتي كان من جملتها الكتابات الكلامية التالية:
-
الإرشاد لأبي المعالي الجويني
(ت. 478 هـ/1085م).
- «كتاب
الإمام ابن زكري»؛ أي المحصّل.
- «عقائد
السنوسي الخمسَة، وما له من غير ذلك» (اليوسي 2004م: 68؛ 76).
سيستدرك اليوسي، في آخر
برنامجه الدراسي عند أساتذتِه، بما يعتبره منهلاً آخر من مناهل العلم والدراسة،
ويعني به الذكاء والفطانة، فالرجل رغم قلّة أساتذته والكتب التي درسها – كما يقول
–؛ فقد رزقَ «فتحا ربانيا»، و«فطنة ذكية»، وما يراه القارئ، في نظر عالمنَا، من
«قلة سماعِ الكتبِ والفنون» لا يقتضي قلّة التحصيل. وحقّا فإّن إنتاجه العلميّ فاق
ما كان عند غيره، وأبان عن سعة اطلاع، وحدة نظر باينتْ ما راج في عصره إلى درجة
أنّها جرت له جانبًا من العداء من قِبل بعضِ معاصريه؛ غيرَ أنّ أثره بقيَ خالدا
(اليوسي 2004م: 79. وراجع: مقدمة فاطمة خليل القبلي ضمن: اليوسي 1981: قسم الدراسة).
أخيرًا، أشير إلى أنّ شرح العقيدة الكبرى، ومحصل المقاصد يعدّان أوسع مقرّرين دراسيّين قرأهما اليوسيّ،
ويساعدنا على هذا الاستنتاج ما هو معلومٌ من أمرِ الكتابين المعدين، أساسًا،
للدراسات المتقدمة في علم الكلام. وأيا كانَ فإنّ الفهرسة
لا تخبرنا بطبيعةِ، وكيفية دراسة اليوسي للمقرّرات الأخرى في علم الكلام؛ وعلى هذا
فإنّي أنظم المقررات المدروسة من قِبله والمدرجة في برنامجه التعليميّ فِي الجدول
الآتي، دون أنْ أخفي شعوري بغموضٍ تطويه عبارة لليوسي يقول فيها: «وقد بقيت جماعة
أخرى ممن انتفعت بهم» (اليوسي 2004م: 79)؛ حيثُ لا نعلم من أمر هؤلاء الأساتذة، في
الفهرس، إلا أسماءهم وبعض ما استفاده منهم إجمالا، ولا أظنهم يعدلون من قدّمهم في
مسرد «شيوخِ التعليم».
|
المقرّر الدراسيّ: |
نوعية الدراسة وعدد مراتها: |
ملاحظاتٌ: |
|
صدرُ رسَالة ابن أبي زَيد. |
قرأه إجازةً ودرسًا ثلاث مرّات عند أستاذة مختلفين.
(راجع الإجازة في: اليوسي 2004م: 73). |
عادة ما تحيل الرسالة القيروانية على الفقه
المالكيّ؛ لكنّها، وكما هو معورف، تتضمن قسمًا عقديّا ذا اتجاهٍ أثريّ ظاهر شرحه
المتأخرون وفقَ رؤيّة أشعريّة ظاهرة هي الأخرى؛ فيكون اليوسي، بناءً على ذلك، قد
تلقى تكوينًا عقديّا من خلال مقرّر «صدر الرسالة». |
|
منظومة الرّقعيّ في الدّيانات. |
قرأه درسًا مرتين فيما أظن. |
وردت باسم: « منظومة الرّقعيّ في الدّيانات»
تصريحا، فيما أعتقد أنّ عبارة: «شيئا من الديانات» تحيلُ عليها أيضا، ويبقى هذا
تخمينا. (راجع الاحالات السابقة). وتبقى معطيات هذه المنظومة مجهولة عند إلى
الآن. |
|
العقيدة الصّغرى. |
قرأه درسا في مرّة واحِدة، ثم إجازة. |
مجازٌ به ضمن إجازة أستاذه محمد الميرغثيّ المتضمنة
لأعمال السنوسي. |
|
محصّل المقاصد. |
قرأه درسًا، وإجازة. |
لا أظن أنّ قرأته للمحصل عند عيسى السًّكتانيّ كانت
كاملةً، وقد أجيز به ضمن إجازة الميرغثيّ. |
|
العقيدة الكبرى وشرحها. |
قرأه درسًا، وإجازة. |
أخذه درسا عند أستاذه العباس عمران الفاسي، ثم أجيز
به ضمن إجازة أستاذه الميرغثيّ المتضمنة لأعمال السنوسي. |
|
مقدمة منظومة منظومة المرشد المعين
على الضروري لأبي محمد ابن عاشر (ت. 1040 هـ/م) |
إجازة (؟). |
يذكر اليوسي أنّ أستاذه عبد القادر الفاسي (ت. 1091
هـ/1680م) أجازه فيما أخذه عن أستاذه أبي محمد ابن عاشر (ت. 1040 هـ/1631م) –
العالم المغربيّ المشهور - دون تعيين، وأخمنُ أنّ منظومته المدرسية المرشد
المعين من مروياتِه (؟). |
|
الإرشاد لأبي المعالي الجويني. |
إجازة. |
ضمن إجازة أستاذه الميرغثيّ. |
|
عقائد السنوسي الخمسَة، وما له من غير
ذلك. |
إجازةً. |
العبارة غير دقيقة؛ لذا أفترض أنّ أعمال السنوسي
المجاز بها من قِبل الميرغثيّ غير ما ذكر من أعماله هي: العقيدة الوسطى،
والعقيدة صغرى الصغرى، الحفيدة؛ فيصير عدد العقائد خمس عقائد، مع ما مرّ، يضاف
إليها: «المقدمات»، والشروح، وشرح «العقائد الجزائرية» على الأقلّ. |
2. الجوابِ – جوانب نصيّة وتحليليةٌ:
يبدي لنا اليوسي، في
فهرسته، وفي غيرها، انفتاحًا واسعًا على جملةِ العلوم العقليّة التِي شهد عصره
نفورًا منها، على نحوٍ ما، لن أتعرض له هنا. وهذا الانفتاح تشهد له الدراسة
النقدية لجملة نصوصه وأعماله المعروفة كـ: حواشي الكبرى، والقانون، وغيرهما.
في سنة: 1981م نشرتْ
الباحثة: فاطمة خليل القبلي مجموعًا من رسائل
اليوسي شملتْ أجناسا أدبية وفنية علمية متنوعة، وقد ضمّ
مجموع الرسائل المنشور ثماني رسائل كانت كلها أجوبة عن قضايا محدّدة في علم الكلام
باستثناء «العقيدة الصغرى»، والتي كانتْ
أشمل، في عبارات مختصرة لمجمل القضايا العقديّة. وما يهمنَا من نصوص الأجوبة والرسائل
العقدية والواردة في قسم العقائد الذي شغل من ص: 471 إلى ص: 522؛ تلك الإجابة عن «ذات الله هل هي حسيّة أو معنويّة؟» التي شغلتْ
صفحتين من: 482 إلى: 483 من النشرة المحال عليها، والتِي أعقبتْ إجابةً أخرى
تماثلها فحوًى، ومعنًى شغلتْ من ص: 478 إلى: 480؛ أي قبل إجابتنا المقصودة هنا.
والنصّ عبارة عن إجابة
كاملة أوردها، أيضا، شيخ الجماعة ابن حمدون السّلميّ (ت. 1273 هـ/1857م) في تعليقاتِه (= حواشيه) المستفيضة على كتابِ مختصر شرح المرشد المعين
للشيخ الفقيه ميّارة الفاسي (ت. 1072 هـ/1662م) ضمنَ القسم العقديّ منه. ويبدو
أنّ شيخ الجماعة الطالب ابن حمدون قد طالعَ الجوابَ وأثبته كاملاً من موردٍ ما في
نصّه معلّقا على قول الشارح ميّارة في مسألة مفهومِ «الذات» من قسم العقيدة (ابن
حمدون - مع شرح ميّارة - 2011م: 44، 45). والنص، في نشرته المذكورة، كان مضمّنًا
في مجموعٍ مخطوطٍ للمكتبة الناصرية موجود بالخزانة العامة بالرباط «تحت رقم قـ
302»، حسب ما ذكرتْه الباحثة في نشرتها للنصّ (فاطمة خليل القبلي ضمن: اليوسي
1981: 481). وما يثير في النشرة، قياسًا على ما أورده ابن حمدون الفاسي، هو الإجابة
المنشورة قبل نصّنا -كما سبقت الإشارة - (فاطمة خليل القبلي ضمن: اليوسي 1981:
477)، والتي تحملُ نفس المضمون والمعنَى.
هذا والنصّ الذي ستقرأه
أسفله قمت باستلاله من حواشي شيخ الجماعة مقارنًا بينه وبين نشرة: 1981م (= نشرة
الدار البيضاء)؛ مادام نصّ ابن حمدون يقدّم لنَا صورة أخرى للنصّ لا تختلف،
غالبًا، عن نشرة البيضاء إلا شكليّا، معَ إضافتين من قراءةِ وزيادة المحقّقة؛
مستثنيًا موضعًا يبدو أنّه خَطأ في الطباعة في نشرة حواشي ابن حمدون.
وفيما يخصّ سياق النصّ؛
فإنه، على ما يبدو، قد كتب في سياقٍ المناقشات العلمية التي يثيرها، عادة، بعض
الطلبة عقب الدروس، وأثناء المراجعاتِ؛ مما اقتضى بيانًا من قِبل الأستاذ لمسالة
وصفها في الإجابة التي قبلها بـ«سؤال شيطانيّ»؛ وإنْ كانتْ الرسالة التي قبل هذه
كما أشرتُ من جنس رسالتِنا؛ فإنّ الأولى يميل فيها اليوسِي إلى تقريرٍ غير عقلانيّ
في البدءِ، مضمّنا فيه فحوى إجابتنا هذه (اليوسي 1981: 478، 479). ويبدو أنّ
الإجابتين كانتَا في سياقٍ واحدٍ.
يمكن أنْ يتلمسَ من
بنيةِ الإجابة الثانية – المضمّنة في المقال كما أسلفتُ - أنّه لم يكن جوابًا
لسؤالٍ تخصّصي صعب الحلّ والنقاش كتلك المسائل، والأجوبة التي خصّص لها اليوسي
أعمالاً كاملةً في الجواب والمناقشة، والشرح والتفصيل – نذكر منها: كتاب مشرب العام والخاص مثلا -؛ وعلى هذَا فإنّ القارئ
ليدرك أنّ السائل إنّما وقعَ سؤاله موقَع المستفتي الطالب لمعرفة ما إذا كان إطلاق
بعضِ الألفاظ سائغًا (= جائزًا بلغة فقهيّة) أم لا.
لم تكن إجابة اليوسي
مدعّمة بالأدلّة، والبراهين، كما اعتدنَا في الكتابات الكلاميّة، وفي أهم أعماله
العقدية؛ وإنما كانتْ عبارة عن استرسالٍ في الجوابِ، وتفصيلاً لجوانب أخرى من بنية
السؤال، ويتعلق الأمر، ها هنا، بالمستوى المفهوميّ والدلالي لبعض الألفاظ ومدى
موائمتها للنسق العقديّ السّني الذي يتبناه اليوسي، ويسألُ عنه السائل معتبرًا
إياه نسقًا من صميم القرآن والسنّة لربمَا.
إلى هذا فاليوسيّ لم
يطرَح، من حيثُ النسق العام، أمرًا جديدًا ولا مستحدثًا؛ لأنّا سنراه متبنيّا
لمجمل، وتفاصيل مقتضيات العقائد الأشعريّة في بنياتِها النسقيّة العامّة. وسبق أنْ
قلت بأنّ الجواب كانَ، في مجمله، متعقبًا للمعاني الدلاليّة أكثر من كونِه مكتنفًا
للبراهين العقليّة والنقليّة في المسألة المجاب عنها، والتحليل التالي يوضحُ بنية
الجواب:
يسألُ السائل عمّا إذا
كانَت ذات الله «حسيّة أو معنويّة؟»، وهو سؤال لم أتبيّن، على الأقل الآن، حدود
سياقاتِه الخارجيّة تبيّنًا أكثر؛ لكنيّ أفترضُ السائلَ طالبًا دارسًا أو شخصا ما
من المثقفينَ لربّما.
يمضي اليوسي، في محاولة
رفع الإشكال، ببيان بعض المعانِي الدلاليّة التِي يمكن أنْ تحمل عليها لفظتا
السؤال: حسيّة و معنويّة، ويقرّر، في البدايَة، أنّ المعاني، أو مدلول «المعنَى»
يجري على: «ما لا يقوم بنفسه»، وذلك «كالعِلمِ، والقدرة، والوجودِ؛ أو كالبياضِ
والسّوادِ والحركة» - يقول اليوسيّ -. غير أنّ المعنى، هنا، وبمفهومه المذكور يبقى
أمرًا شاملاً لمعاني الله «القديمة»، ومعاني الموجودات العَرضيّة (= المقابلة
للأجسامِ والجواهر) «الحادثَة» كما تنبئ أمثلته المذكورة.
إنّا لو افترضنَا أنّ
طبيعة ذات الله عبارة عن «معنى»، بالدلالة المذكورة؛ لزمنَا، حسب اليوسي، أنْ
نصوّر مفهومَ الله على نحو «ما لزم النّصَارى حيث قالوا: إنّ الله صفة قديمة»، على
الأقلّ في إحدى التصوراتِ التي عرفها المسلمون من مذاهب النصارى في طبيعة الله –
يستدرك اليوسي -؛ وأيّا كان فإنّ في مماثلة هذا المعنى لعقيدة النصارى من شأنِه
أنْ يكونَ غير مقبولٍ لدى أيّ قارئ للجواب.
وليقال بأنّ الله معنى أو ليس كذلك ينبغِي أنّ
نفسّر العبارة، وها هنا يلزمنَا أنْ نستبعدَ مفهومَ «المعاني» - القديمة والحادثة
- في التقاليد الكلاميّة؛ وينبغي، تاليًا، أنْ نفسّر لفظ المعنى «ليُحكم عليه
بالبطلان، أو الصحة»؛ وعلى هذا فإنّ اليوسي يفترضُ تفسيراتٍ للعبارة، ولا ينبئنَا
عمّا إذا كانَت تلك التفسيرات متبناةً من قِبل بعضِ من يوجّه إليهم الجواب.
قد تفسّر عبارة
«معنويّ» بـ«الحسيّ» أو «المحسوس»، وعندئذٍ فإنّا إما أنْ نلحق طبيعة الله بجنس
الموجوداتِ «المتحيّزة» والتي «في جهة»، وهذا ممّا يمتنعُ عقلاً؛ وإمّا أن نعنيَ
باللفظِ أحد معنيين الصحيحين في حقّ الله أو كلاهما.
يمكن أنْ نحمل المعنى الأوّل المقبول للفظة
«حسيّ» بالنسبة إلى الله على «ما تتعلق به الحواس»، ولا شكّ أنّ الله، بهذا
المعنَى ووفق الأشاعرة، محسوسٌ؛ لأنّه « يصحّ أنْ يُرى، ويقع ذلك في الآخرة، ولا
يلزم من كونها [= ذات الله] حسيّةً أن تكون متحيّزة» - يقول اليوسي -.
وقدْ يحملُ اللفظُ، في
المعنى الثاني الصحيح، على معنى أنّ ذات الله «موجودة في الخارج، يمكن أنْ تتعلّق
بها الحواسّ»، أو بمعنى: «أنّها توجد في الخارجِ، وليست من المعقولات التي لا توجد
إلاّ في الأذهان، وهِي بحيث تدركها الحواسّ».
إنّ المعنيينَ
المذكورين، حسب اليوسي، ينطويانِ على دلالاتٍ معقولة ومقبولة بالنسبة إلى الله؛
لكن يبقى فقط أنّ الشريعَة لم تصرّح بكون الله حسيّا أو معنويّا بالمعنيين
الصحيحين فـ«يترك لفظ الحسيّة وإنْ صحّ معناها، كما يترك لفظ المعنويّة لعدم صحتها
معنى ولفظًا».
3. نصّ جوابِ اليوسيّ:
رموز النصّ:
|
الرمز: |
معنَاه: |
|
ن |
نشرة الباحثة: فاطمة القبلي. |
|
+ن |
عبارة زائدة من النشرة المذكورة. |
|
-ن |
عبارة ناقصة من النشرة المذكورة. |
|
عبارة مع تسطير |
تشير إلى محلّ الفرق. |
نصّ الجواب:
«سئلَ العلامة
سيدي الحسن اليوسي عن ذات الله تعالى: هل هي حسيّة أو معنويّة؟؛ فأجاب بـ: أنّه (1) يقال لمن قال إنّ ذاته معنويّة: ما
تعني بقولك معنويّة؟، إنْ عنيتَ أنّها معنى كالعِلمِ، والقدرة، والوجودِ، أو
كالبياضِ، والسّوادِ، والحركة، أو(2)
نحوِ ذلك من المعَانيّ من كل ما لا
يقوم بنفسه، و(3) يقومُ بذاتٍ سواء كان وجُوديّا أو عدميّا قديمًا أو
حادثًا؛ فهذا محال؛ لأنّ ذاتَ الله لو كانتْ معنًى لاحتَاج إلى ذاتٍ تقوم(4) به، إذ لا يقوم المعنى بنفسِه ضرورة.
ويلزم من يقوم(5) بهذا ما
لزم النّصَارى حيث قالوا: إنّ الله(6)
صفة قديمة. وذلك أنّهم قالوا: إنّ معبودهم مركب من الأقانيم الثلاثة: وهي العلم
والحياة والوجود، ثم حكموا بأنّ هذه الثلاثة اتحدت فصارتْ الإله واحِدًا، وهو معَ ذلك ثلاثة(7)؛ فجمعوا بين الوحدة والكثرة، وحكموا بأنّ
الإله مركّب من أحوالٍ أو وجوهٍ واعتباراتٍ لا تقوم بنفسها، فكل من ذهب إلى(8) ذاتِ الله تعالى معنى من المعانِي، فمذهبه
كمذهب النصارى، وللنصارى مذاهب أخر ليس هذا محلّ تفصيلها(9).
وإن أراد من يقول إنها
معنوية غيرَ هذا؛ فليفسّره ليُحكم عليه بالبطلان، أو الصحة. وأمّا من قال إنها
حسيّة فيقال له: إنْ أراد(10)
أنها متحيّزة، و(11) في
جهةٍ، وتمكن الإشارة(12)، كما هو
في المحسُوساتِ(13)؛ فمحال لأنّ
الله تعالى مخلف لخلقه(14)،
ليس بجرم، ولا عرضٍ، ولا له شيء من خواصّ الجِرم، أو العَرض؛ وإنْ أراد بكونها
حسيّة أنّها توجد(15) في
الخارجِ، وليست من المعقولات التي لا(16)
توجد إلاّ في الأذهان، وهِي بحيث تدركها(17)
الحواسّ؛ فهذا صحيح لا شكّ فيه.
فنقول: إنّ ذات الله
تعالى من جهة المعنَى هي حسيّة؛ لأنّه تعالى موجود مشخّص في الخارج، قام بنفسه، والحسيّ(18) في اللغةِ والعرف، هو(19) ما تتعلق(20) به الحواس، ولا شكّ أنّ ذات الله تعالى
يصحّ أنْ ترى، ويقع ذلك(21) في
الآخرة، ولا يلزم من كونها حسيّةً أن تكون متحيّزة، ولا أن تكون في جِهةِ، كما أنّ
الله تعالى يرى من غير جهة ولا مقابلةٍـ وكون الرؤية لا تستدعي جهة، ولا مقابلة، مقرّر
في مبحثِ الرؤية من علم الكلام(22).
فإذا قال أحد إنّ ذات
الله حسيّة؛ على معنى أنها موجودة في الخارج، يمكن أنْ تتعلّق بها الحواسّ؛ فكلامه
صحيح(23)، وهو من جهةِ المعنى كما
قلنا. وأما من جهةِ إطلاق اللفظِ، أعني لفظ الحسيّة على ذاته تعالى(24)، فنقول: إنْ كان فيها إبهام(25) للعوام فلا ينبغي أنْ يطلق؛ بل يقال: إنّ
ذات الله تعَالى موجودة، وهو قائم بنفسِه، ويترك لفظ الحسيّة وإنْ صحّ معناها، كما
يترك لفظ المعنويّة لعدم صحتها معنى ولفظًا(26)،
والله الموفق اهـ».
هوامِشُ
النصّ:
(1)
غير
واردة في: ن، ولعلها من زيادة ابن حمدون.
(2)
ن:
و.
(3)
+ ن: لا، من زيادة محققة النص.
(4)
ن: يقوم.
(5)
ن: يقول.
(6)
+ن: الله تعالى.
(7)
ن:
أو هو مركب مع ذلك من ثلاثة. و«من»: من زيادة محققة النص
(8)
+ن: أنّ.
(9)
ن:
وللنصارى مذهب آخر ليس هذا محلّ تفصيله.
(10)
ن: أردت.
(11)
- ن: و.
(12)
+ن: إليها.
(13)
+ن: عندنا.
(14)
ن: مخالف لخلقه. وأظنّه خطئًا مطبعيّا في نشرة
حواشي ابن حمدون.
(15)
ن: موجودة.
(16)
- ن: لا.
(17)
ن: يدركها.
(18)
ن: والحس.
(19)
- ن: هو.
(20)
ن: يتعلق.
(21)
+ن: عندنا.
(22)
ن: معلوم في علم الكلام مقرر في مسألة الرؤية.
(23)
+ن: لا يرد عليه.
(24)
ن: عليه تعالى.
(25)
ن: إيهام.
(26)
ن: هي معنى.
(ابن
حَمدون 1929م: 1 - 32، 33. ابن حمدون 2011م: 44، 45. اليوسي
1981: 482، 483).
المصادر:
-
ابن
حمدون أبو عبد الله محمّد الطالب ابن الحاج:
ابن حَمدون 1929م:
حاشيّة على شرح محمّد بن أحمد ميّارة الفاسيّ على منظومة المرشد المعين على
الضروري من علوم الدّين من علوم الدين. القاهرة (؟).
ابن حمدون 2011م:
حاشيّة على شرح محمّد بن أحمد ميّارة الفاسيّ على منظومة المرشد المعين على
الضروري من علوم الدّين من علوم الدين، راجعه وصحّحه: عبد الكريم قبول. دار الرشاد
الحديثَة – الدار البيضاء.
-
اليوسي
أبو عليّ الحسن:
اليوسي 2004: فهرسة اليوسي، تحقيق: زكريا الخثيري. بحث مرقون
لنيل شهادة د. ع. المعمقة بجامعة محمد الخامس - كلية الآداب الرباط، بإشراف: د.
جعفر بلحاج السلمي.
اليوسي 1981: رسائل أبي
علي الحسن اليوسي، تحقيق: فاطمة خليل القبلي. دار الثقافة – البيضاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق