العبادة في زمن الجائحة
ذ. عبد الله نوري، طالب دكتوراه مقاصد الشريعة الإسلامية، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر.
تمهيد:
الحمد لله الذي شرّفنا بالعبادة فذلّت له الرقاب حبا وتعظيما، سبحانه لم يتخذ وليا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل فكبّره عباده تكبيرا، وصلى الله على سيد العبّاد محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن من المفاهيم التي داخلها الخلل والاضطراب في عصرنا مفهوم العبادة، فأثّر ذلك سلبا على سلوك الفرد والمجتمع على السواء، فظهر في واقعنا تعظيم نوع من العبادة وتقديسه، وتقزيم أنواع أخرى وتحجيمها حتى يُتوّهم أنّها خارجة عن مفهوم العبادة، فإننا نجد من يجتهد ألّا تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام في جميع الصلوات بالمسجد وهو في مقابل ذلك أسوأ الناس لأهله، وفي مقابل ذلك لا يرحم محتاجا بدرهم على غناه..، كما نجد من يجتهد في صيام النوافل وثلاثة أيام من كل شهر والأيام البيض، وبالمقابل لا يقيم للدين وزنا في بيعه وشرائه، لا يحسن الجوار، لا يسعى في حاجة محتاج..، هذا كله وغيره كثيرٌ ممّا ورّثه مفهومٌ مشوّه مضيّق للعبادة، يوجب علينا أن نقف مع هذا المفهوم ونحاول ترميم ما وَهَى منه وإعادته إلى أصله، إذ العبادة ليست أمرا ثانويا في الحياة بل لأجلها وُجِد الخلق، ولأجلها كان اليوم الآخِر للجزاء والحساب.
وإذ لمفهوم العبادة كل هذا الشأن فما السبيل إلى تصحيحه وتفعيله في واقع الناس؟، وعليه فما مفهوم العبادة في الإسلام؟، وهل العبادات كلها على رتبة واحدة؟، فإن لم تكن كذلك فما معيار التفاضل بينها؟، وفي زمن كورونا المستجد ما هو واجب الوقت؟.
للإجابة عن هذه التساؤلات وزعت هذه الورقة على مقتضى الخطة الآتية:
المبحث الأول: المفهوم ومتعلقاته
المطلب الأول: مفهوم العبادة والجائحة
المطلب الثاني: منزلة العبادة في الإسلام
المطلب الثالث: القصد من تشريع العبادة
المطلب الرابع: أقسام العبادة
المبحث الثاني: تفاضل العبادات وفقه مراتب الأعمال
المطلب الأول: شمول العبادة وعمومها
المطلب الثاني: تفاضل العبادات في الكتاب والسنّة
المطلب الثالث: أهمية فقه مراتب الأعمال والأحكام
المطلب الرابع: قواعد في تفاضل العبادات
المبحث الثالث: تطبيقات على زمن كورونا المستجد
المطلب الأول: بين العبادة المتعدية النفع والعبادة القاصرة
المطلب الثاني: بين العبادة في زمن الجائحة والعبادة في الرخاء
المطلب الثالث: واجب الوقت في زمن الجائحة
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والوصيات
المبحث الأول: العبادة مفهومها، منزلتها، القصد منها، وأقسامها
المطلب الأول: مفهوم العبادة
العبادة لغة: "العين والباء والدال أصلانِ صحيحان، كأنَّهما متضادَّان، والأول من ذينك الأصلينِ يدلُّ على لِين وذُلّ، والآخر على شِدّة وغِلَظ. فالأوّل العَبْد، وهو المملوك،.. والأصل الآخَر العَبَدة، وهي القُوّة والصَّلابة".
فالأصل الأول هو ما يعنينا في مفهوم العبادة، فـ "العبد: الإِنسان حرًّا أو رقيقاً. هو عبد الله، ويجمع على عباد وعبدين. والعبد: المملوك، وجمعه: عَبِيد، وثلاثة أعْبُد، وهم العباد أيضاً. إنّ العامّة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله، والعبيد المملوكين".
"ومن الباب البعير المعبَّد، أي المهنُوء بالقَطِران. وهذا أيضاً يدلُّ على ما قلناه لأنّ ذلك يُذِلُّه ويَخفِض منه. قال طرفة:
إلى أن تحامَتْنِي العشيرةُ كلُّها *** وأُفرِدْتُ إفرادَ البَعير المعبَّدِ
والمعبّد: الذلول، يوصَف به البعير أيضاً.
ومن الباب: الطريق المُعَبَّد، وهو المسلوك المذلَّل".
فـ"أصل العبادة في اللغة التّذليل من قولهم : طريق مُعَبَّد : أي مُذّلَّل ، بكثرة الوطء عليه، قال طَرَفة :
تُباري عِتاقاً ناجِياتٍ وأتبعَتْ *** وَظيفاً وظيفاً فوق مَوْرٍ مُعَبَّد
المَوْر: الطّريق، ومنه أُخذ العبد لذِلَّته لمولاه والعبادة والخضوع والتّذلل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تَعَبَّد فلان لفلان: إذا تذلّل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعةً كان للمعبود أو غيرَ طاعة. وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتّذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلاّ المُنعِم بأعلى أجناس النّعم كالحياة والفهم والسّمع والبصر والشّكر، والعبادة لا تُستحق إلاّ بالنّعمة لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النّعم لأن أقل القليل من العبادة يكبُر عن أن يستحقه إلاّ من كان له أعلى جنس من النّعمة إلاّ الله سبحانه فلذلك لا يستحق العبادة إلاّ الله".
العبادة اصطلاحا: جمع الإمام المناوي تعريفات لها فقال: "العبادة: فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيما لربه. وقيل: تعظيم الله وامتثال أوامره. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع".
وعرفها ابن تيمية بقوله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". وفي هذا التعريف تظهر مدى اتساع وشمولية العبادة عند ابن تيمية، مما يُنِمُّ عن استقراء شامل لجزئيات هذا الدين، وهو التعريف الأجدر بالقبول لموافقته لروح الإسلام ومنهجه، مناسبته للمعنى اللغوي السالف البيان.
الجائحة في اللغة: "الجيم والواو والحاء أصلٌ واحد، وهو الاستئصال. يقال جاحَ الشيءَ يَجُوحُهُ استأصله. ومنه اشتقاق الجائِحة".
"الجَوْحُ من الاجتياح، اجتاحتهم السّنة، وجاحَتْهُم تَجوحُهم جِياحةً وجَوْحاً، وسنةٌ جائحة: جَدْبَة، واجتاح العدوّ ماله: أي: أتى عليه. ونزلت به جائحة من الجوائح".
"وقال أبو منصور: والجائحة تكون بالبَرد يقع من السماء إذا عظم حجمه فكثر ضرره وتكون بالبرد المحرق أو الحرّ المحرق. قال شمر: وقال إسحاق: الجائحة إنما هي آفة تجتاح الثمر سماوية ولا تكون إلا في الثمار".
والجائحة في الاصطلاح: "هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافا ظاهرا كالسيل والحريق"، فقد انحصرت الجائحة في الفقه الإسلامي فيما أتلف المال لا غيره بلا خلاف، "ولا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة وكذلك كل ما كان آفة سماوية وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف".
وهنا نرى توافق وتطابق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للجائحة.
ونخلص إلى أن اصطلاح الجائحة ليس بتلك الدقة التي يُعبَّر به عن إتلافٍ في الأرواح البشرية، ولفظ الوباء أدلُّ منه على فيروس كورونا المستجد covid 19.
المطلب الثاني: منزلة العبادة في الإسلام
عرفنا مما سبق أن العبادة يتسع مفهومها لتشمل جميع مناحي الحياة، فكل تكليف من الله للعبد إتيانه على مقتضى الأمر والنهي عبادة لله تعالى، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايْ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ [الأنعام: ]، ومن تظهر جليا منزلة العبادة في الإسلام إذ استغرقت جميع حركات الإنسان لتكون منهجا له في الحياة، وهي بذلك الدين كله.
العبادة من أجلها خلق الله الخلق قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ] فهذه مكانة سامية لا تسمو إليها مكانة أي شيء في الوجود.
والعبادة أشرف المقامات، لذلك وصف الله بها أنبياءه وأصفياءه من خلقه، فوصف نبيّه داود عليه السلام فقال: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 30]، ومدح نبيّه نوح عليه السلام بقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء: 03]، وقال عن عيسى عليه السلام: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ [الزخرف: 59].
وقد شرف الله نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بمقام العبودية في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، فقال عز من قائل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: 01]، وقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23]، وقال: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: 08-10]، إلى غير ذلك من الآيات.
المطلب الثالث: القصد من تشريع العبادة
العبادة لها قصد أصلي ومقاصد تبعية، ومقصد كلي ومقاصد جزئية، وفي هذا المقام ليس همي أن أتتبع المقاصد الجزئية للعبادات، ولا أن أستقرأ المقاصد التبعية، وإنما حسبي أن أقف على المقصد الأصلي من تشريع العبادة باعتبارها كلية من خلال ما دوَّنه الإمام الشاطبي في موافقاته، حيث يقول: "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه ; حتى يكون عبدا لله اختيارا ، كما هو عبد لله اضطرارا"، واستدل على ذلك بأدلة متنوعة ما بين نقلي وعقلي فقال:
"والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا للتعبد لله ، والدخول تحت أمره ونهيه; كقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالِانسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُّطْعِمُونِ [الذاريات: 56-57]،... إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالعبادة على الإطلاق، وبتفاصيلها على العموم ، فذلك كله راجع إلى الرجوع إلى الله في جميع الأحوال ، والانقياد إلى أحكامه على كل حال، وهو معنى التعبد لله.
والثاني: ما دل على ذم مخالفة هذا القصد من النهي أولاً عن مخالفة أمر الله، وذم من أعرض عن الله، وإيعادهم بالعذاب العاجل من العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف المخالفات، والعذاب الآجل في الدار الآخرة، وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة، والشهوات الزائلة ; فقد جعل الله اتباع الهوى مضادا للحق ، وعده قسيما له ، كما في قوله تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الَارْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ [ص: 26]،.. وتأمل; فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى; فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس أنه قال: " ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمّه ". فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى.
والثالث: ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض; لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة، ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته، وسار حيث سارت به، حتى إن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها، أو كان له شريعة درست، كانوا يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه في النظر العقلي، وما اتفقوا عليه إلا لصحته عندهم، واطراد العوائد باقتضائه ما أرادوا من إقامة صلاح الدنيا، وهي التي يسمونها السياسة المدنية; فهذا أمر قد توارد النقل والعقل على صحته في الجملة، وهو أظهر من أن يستدل عليه".
المطلب الرابع: أقسام العبادة
"فالجواب أن ما تعبد العباد به على ضربين:
أحدهما العبادات المتقرب بها إلى الله بالأصالة وذلك الإيمان وتوابعه من قواعد الإسلام وسائر العبادات.
والثاني العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق وهذا هو المشروع لمصالح العباد ودرء المفاسد عنهم وهو القسم الدنيوي المعقول المعنى والأول هو حق الله من العباد في الدينا والمشروع لمصالحهم في الآخرة ودرء المفاسد عنهم".
وأتيت بهذا التقسيم للإمام الشاطبي لفهم ما وضعه الفقهاء في تصانيفهم من تقسيم منهجي اصطلاحي لتيسير التبويب للفقه، إذ قسموا الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات، لا على سبيل أن المعاملات لا حظ فيها للعبادة أو انها قسيم للعبادة، وإنما دعاهم إلى ذلك عدة فروق منها:
أولا: أن العبادات يغلب عليها جانب التعبد المحض، وأن المعاملات معللة، معقولة المعنى، ومن هنا كان الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى الأسرار والمعاني، والأصل في العاديات الالتفات إلى الأسرار والحِكم والمقاصد.
الثاني: أن العبادات من إنشاء الشارع الحكيم فأمر بها عباده وليس لهم إلا التلقي والامتثال، أما المعاملات فقد تكون موجودة قبل مجيء الشرع فيقرّ الصالح منها، ويهذب بعضها، ويلغي ما ساء، ولذا قعّدوا لذلك بقولهم: "الأصل في العبادات الحظر إلا ما أقرّه الشرع، والأصل في المعاملات الإباحة إلا ما حظره الشرع".
الثالث: اشترطوا في التكليف بالعبادة العلم بأنه مأمور بها من الله تعالى، فلا بد لها من نية ليصح التقرب بها إلى الله، أما المعاملات فلا تشترط في صحتها النية وإن ترتب عليها أجر.
ولقد كان مراد سلفنا الصالح من هذا التقسيم طيبا، وهم مأجورون عليه، إلا أنه ترك أثرا سيئا في فهم العبادة لدى المسلمين في زمننا الحاضر، إذ ترسخ في عقولهم أن العبادة إنما هي الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة، فهذا يكون الأمر فيه لله ولرسوله، أما المعاملات فلا حرج إن اتبعوا في ذلك ما يستوردونه من قوانين وضعية دان بها الشرق أو الغرب.
وازداد هذا الفهم المشوّه رسوخا في ظل العلمانية التي تحكم كثيرا من البلاد الإسلامية بعد خروج الاستدمار الذي ترك عملاءه يبثون سمومها في فكر المسلمين، فيؤكدون أنْ "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
المبحث الثاني: تفاضل العبادات وفقه مراتب الأعمال
المطلب الأول: شمول العبادة وعمومها
وهنا أود التأكيد على ما مضى في تعريف العبادة عند الإمام ابن تيمية من أنها "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"، فبذلك تشمل العبادة الدين كله، والحياة كلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ تشمل كيان الإنسان كله ظاهره وباطنه.
يقول الإمام الشاطبي: "قد ثبت أن كل تكليف لا يخلو عن التعبد، وإذا لم يخل فهو مما يفتقر إلى نية كالطهارات وسائر العبادات.
إلا أن التكاليف التي فيها حق العبد منها ما يصح بدون نية، وهي التي فهمنا من الشارع فيها تغليب جانب العبد، كرد الودائع والمغصوب والنفقات الواجبة. ومنها ما لا يصح إلا بنية، وذلك ما فهمنا فيه تغليب حق الله؛ كالزكاة والذبائح والصيد، والتي تصح بدون نية إذا فعلت بغير نية لا يثاب عليها، فإن فعلها بنية الامتثال وهي نية التعبد أثيب عليها، وكذلك التُروك إذا تركت بنية، وهذا متفق عليه، ولو كانت حقوقا للعباد خاصة ولم يكن لله فيه حق لما حصل الثواب فيها أصلا؛ لأن حصول الثواب فيها يستلزم كونها طاعة، من حيث هي مكتسبة مأمور بها، والمأمور به متقرب إلى الله به، وكل طاعة من حيث هي طاعة لله عبادة، وكل عبادة مفتقرة إلى نية، فهذه الأمور من حيث هي طاعة مفتقرة إلى نية".
إذن فالعبادة شاملة للدين كله، والدين إنما جاء ليرسم للإنسان منهج حياته، الظاهرة والباطنة، ويحدد سلوكه وعلاقاته بما يتوافق مع هذا المنهج الرباني، ينتج عن ذلك أن العبادة تسع الحياة كلها، وتنظم أمورها قاطبة: من آداب للأكل والشرب، وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة وسياسة الحكم، وسياسة الاقتصاد، وتحديد العقوبات، والعلاقات الدولية في السلم والحرب...
والمسلم يعبد الله بالفكر، ويعبد الله بالقلب، ويعبد الله باللسان، ويعبد الله بسائر حواسه، بل ببدنه كله، ويعبده ببذل المال والنفس وبمفارقة الأهل والأوطان.
يقول ابن القيم: "ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة، من كمّلها كمّل مراتب العبودية.
وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه.
والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح". ثم بين حظّ القلب واللسان والجوارح من هذه العبودية بالتفصيل.
المطلب الثاني: تفاضل العبادات في الكتاب والسنّة
أولا: في الكتاب
وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله عز وجل تبين أن الأعمال ليست كلها في درجة واحدة، بل تختلف درجاتها في الخير، كما تختلف دركاتها في الشر.
ومن ذلك قوله تعالى: إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُوتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَنُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: 271]، قال ابن كثير: "فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها".
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنَ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: 19]، ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة، وبينت أنهما لا يستويان عند الله تعالى.
وفي قوله تعالى: لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنَ اَلْفِ شَهْرٍ [القدر: 3]، دليل على أن عبادة وقيام ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.
ثانيا: في السنة
والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة، وربما يكون أجمع حديث في ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان.
وقوله: إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.
وقد سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم- مراراً عن: أي الإسلام أفضل، أو أيّه خير فأجاب، وإنما المقصود أي أعمال المسلم أفضل أو أخير؛ ولذلك بوب الإمام مسلم في صحيحه لهذا النوع من الأحاديث بقوله: "باب بيان تفاضل الإسلام، أو أي أموره أفضل".
المطلب الثالث: أهمية فقه مراتب الأعمال والأحكام
فمِمّا لا يجهله طالب علم أن الأحكام ليست على مرتبة واحدة، فهناك أوامر ونواهي، فالأوامر درجات فيها الواجب والفرض (عند من فرّق بين الواجب والفرض) والمندوب وهو نفسه على مراتب، والنواهي درجات فيها الحرام والمكروه بنوعيه: التنزيهي والتحريمي.
والفروض انقسمت إلى فروض الأعيان وفروض الكفاية. وفروض الأعيان مراتب فتجد للإسلام أركانا وما هو دونها في المرتبة وإن كان الجميع مطلوبا على سبيل الحتم والإلزام.
وهناك أعمال القلوب وأعمال الجوارح وعمل القلب مقدم على عمل الجارحة وإن كان الكمال في كليهما مطلوبا ومُتشوَّفا إليه شرعا.
ونجد أن مقاصد الشريعة الإسلامية ليست على رتبة واحدة، فهناك ما هو ضروري لا حياة بدونه، وما هو حاجي يمكن الحياة من دونه بمشقة وحرج، وهناك ما هو تحسيني تتزيّن به الحياة وتتجمّل.
وشعب الإيمان على رُتَبٍ، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
وحتى الذنوب مراتب، ففيها الصغائر التي تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والاستغفار..، وفيها الكبائر التي لا تكفِّرها إلا التوبة النصوح، والكبائر نفسها فيها كبير وأكبر.
ومع انتشار جائحة فيروس كورونا ظهر جليا مَسِيس حاجة الأمة إلى الاهتمام بفقه مراتب الأعمال، كونه يدفع عن المكلّف في فهم الإسلام وتطبيقه الخلط والإخلال، فيُقدّم ما حقه التقديم ويؤخّر ما حقه التأخير، ويعطى كل ذي حق حقه. ويَعرف به قواعد التفريق بين النظائر والمتشابهات والجمع بين الضرائر والمختلفات، وكيف يقتنص أعظم الأجور وأعلى الدرجات بأيسر السبل وأدنى المشقات، وبه يدرك واجب الوقت فلا يُفوِّت وظائف الأحوال والأوقات.
المطلب الرابع: قواعد في تفاضل العبادات
ناقش ابن القيم كلام العارفين في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص وقسمهم إلى أربعة أصناف:
الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها، وساق أدلتهم في ذلك.
قال: وهؤلاء: هم أهل المجاهدات والجور على النفوس.
الصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان واطراح الاهتمام بها وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. فبيّن أمر عوامّهم وخواصّهم في ذلك متّبعيهم ومنحرفيهم.
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، وساق أمثلتهم ونقل حججهم في ذلك.
الصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، وعرض لبعض أمثلتهم وعلّق عليها بقوله: وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره.
ومن هنا نقتنص بعض القواعد من كلام السابقين تكون لنا عونا إتيان أفضل العبادات، وهو مهيع عبّده الصحابة رضوان الله عليهم حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله؟، وعن أفضل الأعمال؟، وحين يحرّض النبي صلى الله عليه وسلم صحابته على المبادرة إلى خير العمل: ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله عزَّ وجلَّ.
جاء في كتاب الفروق: "المعتبر في تفاضل الأعمال المتحدة تفاضل أحوال عامليها، أولا. ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانيا. ثم تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع ثالثا".
ومعنى هذه القاعدة؛ أن الأعمال المتحدة يقع فيما بينها تفاضل بأسباب ثلاثة:
الأول: تفاضل عامليها؛ بأن يكون عامل أفضل من عامل آخر تقى وإخلاصا وزهدا وورعا وإن تواردا على نفس العمل.
الثاني: هو تفاضل الأعمال في نفسها، بأن يكون عمل أفضل من الآخر.
الثالث: هو تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع، كأن يكون أحد المنتفعين صالحا والآخر طالحا، أو أن أحدهما فقيرا والآخر أشد منه فقرا.
ونضيف إلى ما سبق قواعد مجملة على عجل:
القاعدة الأولى: الفرائض مقدمة على النوافل
القاعدة الثانية: فروض الأعيان مقدمة على فروض الكفاية مالم تتعين
القاعدة الثالثة: وظيفة الحال والمكان خير من غيرها وإن علت عليها في المرتبة وزادت عليها في الأجر
القاعدة الرابعة: تفاوت رُتَب الأعمال بتفاوت رُتب مصالحها
القاعدة الخامسة: تفاوت أجور الأعمال مع تساويها باختلاف الأماكن والأزمان
المبحث الثالث: تطبيقات على زمن كورونا المستجد
عند نزول هذا الوباء (كورونا المستجد "كوفيد 19") اختلّ لدى كثير من الناس ميزان المفاضلة بين العبادات والأعمال التي تقرّب إلى الله، وبعد أن جمعنا لهذا الغرض قواعد من كتب العلماء نقف في هذا المبحث مع ثلاث نماذج من التفاضل بين الأعمال في زمن الوباء.
المطلب الأول: بين العبادة المتعدية النفع والعبادة القاصرة
والمقصود بالعبادة المتعدية هو ما يتعدَّى نفعها إلى غير صاحبها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس، والصدقة، والسعي في قضاء حوائج الناس..؛ أما العبادة القاصرة فهي ما اقتصر نفعها على صاحبها كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن..
فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ذهب المُفطِرون اليوم بالأجر
قال صاحب عمدة القاري شرح صحيح البخاري: "قوله: (ذهب المفطرون) بالأجر، أي: بالأجر الأكمل الوافر، لأن نفع صوم الصائمين قاصر على أنفسهم، وليس المراد نقص أجرهم، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام".
ولا يتوّهم مُتوِّهم من قولهم بأنّ الصوم عبادة قاصرة أنّه لا يتعدى نفعها لغير الصائم، فعلا نجد أنّ نفعها يعود بالدرجة الأولى على الصائم من ارتقاء للروح، وصفاء للنفس، واستعداد للخير والبذل، وإقبال على الطاعة، وضبط للتصرف.. وهذا كله لا يُعدِمها نفع الغير، فإن غير الصائم ينتفع بتقوى هذا الصائم وصلاحه، فيتأثر به من رآه ويسلك مسلكه في العبادة وحسن الخلق، وينتفع بدعائه وإخلاصه كما جاء في الحديث الذي أخرجه النسائي وصححه الألباني حيث يقول النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم-: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم، فصلاته ودعاؤه وإخلاصه على الرغم من أنها قاصرة إلا أنه تعدى نفعها للأمة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فليس على كل حال العبادة المتعدية أفضل من القاصرة، وإنما هذا حال التَّعيُّن وتزاحم الأعمال على مورد واحد فتقدم المتعدية على القاصرة لتَقَدُّم المصلحة العامة على الخاصة، فإن أمكن الجمع فإنه لازم لا محالة وإلا فيُصار إلى الترجيح الذي أسلفنا.
فقد أخرج الترمذي وصححه الألباني أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ألا أُنبِّئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأزكاها عند مَليكِكم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٍ لكم من إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم، ويضرِبوا أعناقَكم؟، قالوا: بلى. قال: ذكرُ اللهِ.
فظهر هنا أن ذكر الله وهي عبادة قاصرة أفضل -عند عدم التّعيُّن والمزاحمة- من الصدقة والجهاد في سبيل الله، ومعلوم أنها عبادات متعدية.
ونخلص هنا إلى بأنه ما من عبادة قاصرة إلا وهي متعدية بوجه من الوجوه، وما سميت قاصرة إلا للقصد الأصلي منها، وهكذا المتعدية، فلا يعني أن صاحبها لا ينتفع منها، وإن كان القصد الأول منها نفع الغير.
وفي زمن الوباء العبادة المتعدية مقدمة على العبادة القاصرة، إعمالا للقواعد السابقة، وبناء على شدة حاجة الناس للتكافل والتعاون لمواجهة هذا الوباء ومخلّفاته، ونهيب بأهل التخصص في أمتنا من أطباء وأصحاب المختبرات الطبية وعلماء العمل الجاد والبحث المتواصل لإيجاد علاج أو لقاح ينفعون به العباد، فقد طال الأمد بكثير من الناس في الحجر ونفد صبرهم أو كاد ينفد.
المطلب الثاني: بين العبادة في زمن الجائحة والعبادة في الرخاء
يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند حديثه صلى الله عليه وسلم: العِبَادة في الهَرْج كهجرة إليَّ؛ "المراد بالهَرْج هنا: الفتنة، واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أن الناس يَغْفُلون عنها ويَشْتَغلون عنها، ولا يتفرَّغ لها إلا أفراد".
ارتقت العبادة في زمن الغفلة والفتنة إلى المنزلة الرفيعة للهجرة لأسباب متعددة؛ ذكرها الأئمة في شروحهم للحديث، نورد منها ما يلي:
السبب الأول: أن الناس يَغْفُلون عنها ويَشْتَغلون عنها، ولا يتفرَّغ لها إلا أفراد، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله.
السبب الثاني: أن الناس في زمن الفتن يتَّبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسَّك بدينِه ويعبد ربَّه، ويتَّبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة مَن هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنباً لنواهيه، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله.
السبب الثالث: أن المتمسك في ذلك الوقت، والمنقطع إلى العبادة، المنعزل عن الناس، أجرُه كأجر المهاجر إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لأنه ناسبه من حيث إن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه للاعتصام بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكذا هذا المنقطع للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه، وفرَّ من جميع خلقه، كما ذكر ذلك الإمام القرطبي رحمه الله.
السبب الرابع: إذا عَمَّت الفتن اشتغلت القلوب، وإذا تعبَّد حينئذٍ متعبِّدٌ، دلَّ على قُوَّة اشتغال قلبه بالله عز وَجل فيَكْثُر أجره، كما ذكر ذلك الإمام ابن الجوزي رحمه الله.
فالعبادة بمفهومها الشامل، تلك العبادة التي تملأ الزمان والمكان والكيان لهذا الإنسان هي المقصودة في هذا الزمان، فنحتاج إلى من يتمسك الدين بفهم صحيح شامل يرقى عن حصر الدين في المساجد والحج والعمرة والصيام.. بل ينطلق منها ويتجاوزها إلى نشر العلم وبناء الحضارة وإعمار الأرض والتبشير برسالة الإسلام.
المطلب الثالث: واجب الوقت في زمن الجائحة
بعد نزول الوباء اختلف الناس في أمره؛ بين من يردّه إلى انه عقوبة من الله لعباده حينما ندّوا عن المنهج القويم والصراط المستقيم، وبين من يردّه إلى أنه ابتلاء من الله لعباده المؤمنين ليرحمهم ويقربهم ويخفف عنهم من أوزارهم ويحط من خطاياهم، وبين من يردّ كل أمر يقع في العالم إلى منطق المؤامرة، وأنه من صنيع الغرب أو الشرق أو اتفاق بينهما، لبداية نظام عالمي جديد لا مكان فيه للمسلمين.
وبِغضّ النّظر عن أحقيّة هذا أو ذاك، وبعيدا عن الجدل وكثرة الصخب وضياع الأوقات في التماس الحجج لإثبات صدق أحد الأقوال السالفة الذكر، فإن الاهتمام بما يعنينا هو واجب الوقت في هذا الزمن، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوم أن تكلم عن تداعي الأمم على الأمة الإسلامية سأله الصحابة رضوان الله عليهم سؤالا يُنبئ عن دقّة فهمهم للسُّنن الرّبّانية؛ قالوا: ومن قلّة نحن يا رسول الله، فلم يردّوا الأمر إلى عدد أو عدّة عدوهم ولكن ردّوه لأنفسهم، سألوا عما يخصّهم لا ما يخصّ عدوهم، فعلموا من أين تؤكل الكتف، ليقبلوا على أنفسهم بالإصلاح وتدارك النقص.
فأولى بكل مسلم أن يعود إلى ربه بالتوبة النصوح، وأن يحقق الإيمان بكل أركانه وأبعاده، وأن يسعى جاهدا في نشر التفاؤل والأمل الفسيح، إِن يَّعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُوتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال: 70].
ومن جهة أخرى، فالتكافل والتآزر لمجاوزة الأزمة هو واجب الوقت، وعلى الدولة ألا تهمل رعاياها ومواطنيها وتساعدهم بالمتاح بل تبذل عرق القِربة في التخفيف من مصابهم، والأغنياء يكون لهم حظ في القيام بهذا الدور العظيم، فلا يتوانى أحدهم في إخراج زكاة ماله في وجهها المَرْضي، ويتصدق بصدقات عظام يذكّر المسلمين بماضي أسلافهم، والإنفاق ليس مقصورا على الأغنياء بل كلٌّ ينفق مما عنده بحسبه، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه: يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ.
وأن يغتنم العلماء وطلبة العلم مدة الحجر وإن طالت ويحولوها إلى محراب عبودية لله عزّ وجلّ بنشر العلم النافع وبذله لأهله، وأن يقتحموا مجال التواصل الرقمي ليصل نفعهم إلى أقاصي الأرض مشرقا ومغربا، فهناك من البرامج المتاحة على الهواتف والحواسيب للعلماء والباحثين والطلبة ما يجعلهم أقدر من زمن الرخاء على إقامة حلقات العلم والمؤتمرات والندوات وتحصيل الإجازات في القراءات والمتون، فقد أصبح الأمر من السهولة واليسر أكثر من ذي قبل، فهل من مشمر؟.
وكلٌّ واجبُ وقتِه بحسب مجاله، وقدرته على العطاء والنفع.
الخاتمة:
ونخلص في آخر هذه الورقات إلى ضرورة فهم العبادة بمفهومها الشامل، فكل تكليف من الله للعبد لا يخلو عن تعبد، وكل حركة للمكلف أو سكون، أو فكرة أو فعل لا تخلو عن وجه من أوجه التعبد لله، فلينطلق العبد من محراب الصلاة إلى محراب الحياة.
ونضيف بأن فقه قيّم الأعمال ومراتب الأحكام، إذا جاوره في فكر المكلّف فقه الأولويات ومقاصد الشرع وفقه الموازنات تسنى له بعد ذلك أن يأتي أفضل العبادات على أفضل الوجوه، وأن يقتنص أعظم الأجور بأسهل الأعمال وأيسرها كلفة وأقلها وقتا.
وأنّ عمارة الأرض والتمكين للإسلام فيها إنما يقوم على الفهم الصحيح لهذا الدين، وتقديمه على أحسن وجه للعالم الذي يعيش زمن التيه والضياع، ففهمنا الصحيح لديننا وتمسكنا به وإحسان عرضه للآخر كفيل أن ينقذ البشرية من الضلال وحياة الضنك.
كما نوصي القائمين على التربية والتدريس والمراكز البحثية والجامعات أن توقف أبناء الأمة على معالم الدين الحق، وأن تفقههم في دينهم، وأن تمكنهم من تحصيل ملكة الميزان من خلال العلوم الكفيلة بذلك ليضعوا الأمور في نصابها، ويعطوا كل ذي حقه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وفقكم الله ونفع بكم
ردحذف