الإصلاح في القرآن الكريم، نظراتٌ في المفهوم (1)
ذ. أنس القرباص، باحث دكتواره، كلية أصول الدين، تطوان / المغرب.
توطئة:
لما كان الإنسانُ
خيّراً بطبعه ينزع نزوعاً نحوَ "الآدمية"، ويمتلك في الوقت ذاته قابلية
التوجه صوبَ "الإبليسية"، وُجدت ثنائية "الهابلية"
و"القابلية"؛ الهابلية مجسدةً "الخير"، والقابلية مجسدةً "الشر".
وقد ظلت هذه الثنائية مستمرة وممتدة في التاريخ الإنساني، ولعل من أبرز مصاديقها:
"الصلاح والإصلاح" / "الفساد والإفساد".
لأجل هذا، كانت مهمة الأنبياء ووظيفتهم عبر التاريخ، هي "الإصلاح"، وإزالة
"الفساد" المتفشي في المجتمعات، فهذا شعيب u يبين لقومه أن مقصده وهدفه إنما هو الإصلاح
والتغيير من الأسوء إلى الأحسن. "قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ
عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ
أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ
مَا اسْتَطَعْتُ". [هود: 88].
ومثله موسى u حينما وصّى أخاه هارون u من بعده بالتركيز على الإصلاح، والابتعاد عن مسالك الإفساد. "وَقَالَ
مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا
تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ". [الأعراف: 142].
والأمر نفسه ينطبق على نبينا محمد ﷺ، إذ إن القرآن الذي نزل عليه، إنما مقصده
إصلاح أحوال الناس، وذلك بنقلهم من "ظلمات الفساد"، إلى "نور
الصلاح". "الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ" [إبراهيم: 1].
فما مفهوم الإصلاح ودلالته في القرآن ؟
1. في دلالة الإصلاح في القرآن.
الإصلاح في القرآن ضد الإفساد، والمصلح ضده: المفسد، وقد ورد التقابل بين هذين المفهومين
في العديد من الآيات، منها:
- "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا
نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ" [البقرة: 11-12].
- "وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ"
[البقرة: 220].
- "وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" [الأعراف: 56].
- "وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي
قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ"
[الأعراف: 142].
فالإصلاح إذن في القرآن الكريم، هو: إقرار الصلاح بعد محو الفساد، والمصلح هو الذي
يقرُّ الصلاح ويرفع الفساد.
2. الاصلاح الحقيقي، والإصلاح الباطل / الفساد الحقيقي، والفساد الباطل.
يميز القرآن الكريم، بين نوعين من الإصلاح:
أ- الإصلاح الحق: وهو الإصلاح الذي ينشر الصلاح ويمحو الفساد.
ب- الإصلاح الباطل: وهو الفساد المغطى بغطاء الإصلاح.
قال تعالى عن المنافقين المفسدين: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي
الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ". [البقرة: 11-12].
والآية تبين:
- أن المفسد ينفي عن نفسه صفة الفساد.
- أن المفسد يعتقد أن إفساده إصلاحٌ.
والمفسدون الذين يخالون أنفسهم مصلحين، موجودونَ دائما في شتى البقاع ومختلف
الأزمان، فقديما ادعى فرعون أنه مصلح ينشر الصلاح، في حين اعتبر سيدنا موسى مفسداً
ينشر الفساد. "وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ
رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي
الْأَرْضِ الْفَسَادَ". [غافر: 26].
ونشر الفساد هي التهمة التي وجهها الزعماء والعلية والنخبة من قوم فرعون، لموسى
عليه السلام ولأتباعه، من أجل قتله والفتك به. "وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ
فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ
وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ". [الأعراف: 127]
والفساد في نظر فرعون وملئه
هو: تصحيح الديانات الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، والعادات المنحرفة، والسلوكات
الخاطئة، التي نشأ عليها قومه وأتباعه، والإصلاح عنده هو الإبقاء على هذه الأشياء
كما هي، دون تغييرها أو استبدالها.
فانظر كيف قلبَ فرعونُ الحقائق، فجعل الإفساد إصلاحاً، والإصلاحَ إفسادا، وهكذا
يفعلُ كثيرٌ من الساسة، والقادة، والنخب، وغيرهم
من أصحاب المناصب والسلطة؛ إذ يعمدون إلى قلب الحقائق وعكسها، حتى يموهوا على
العامة والدهماء، فيقدمون الإفساد لهم في صورة الإصلاح، والإصلاح في صورة الإفساد.
3. بين الإصلاح والصلاح / الصالح والمصلح.
الإصلاح في القرآن الكريم، أعلى
شأناً ومرتبة، وأرفع أهمية ومكانة من الصلاح، ونحن إذا تأملنا قوله تعالى: "وَمَا
كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ"
[هود: 117]، نجد أن:
- انتشار الفساد بالمجتمعات (القرى) عبر المفسدين، يؤدي إلى هلاكها وخسرانها.
- أن وجود المصلحين في المجتمعات، يمنع وقوعها في الهلاك والخسران.
كما نلاحظ أن الله تعالى، استعمل لفظ "مصلحون"، ولم يستعمل لفظ
"صالحون"، فما الفرق بين المصلحين والصالحين ؟
المصلحُ: هو الذي ينشر الصلاح ويقره في وسطه ومحيطه وبيئته، بحيث يتعدى صلاحه إلى
غيره.
أما الصالح فصلاحه مرتبط بذاته، لا يتعدى صلاحه إلى غيره، بل هو قاصر على نفسه.
وبالرجوع إلى الآية نقول: لا يكفي أن تكون إنسانا صالحاً لتنقذ بلدك/ مدينتك /
دولتك/ أمتك،
من السقوط والهلاك، بل لابد أن تكون مصلحاً، بمعنى:
أن تنقل هذا الصلاح الذي بداخلك إلى غيرك.
ونحن اليوم بحاجة ماسة إلى المجتمع المصلح، لا إلى المجتمع الصالح فقط؛ لأن هذا
الأخير لا يحمي المجتمع من الهلاك والخسران.
وفي الحديث النبوي: "يا
رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»". [متفق عليه،
صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب يأجوج ومأجوج، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط
الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج].
.
ولم يُقَلْ "أفنهلك وفينا المصلحون"، والسبب في ذلك أن الصالح
يحمي ذاته ونفسه فقط من الفساد، بخلاف المصلح، الذي من المفروض أن تكون وظيفته
إيقاف الفساد (الخبث بالتعبير النبوي) ونشر الصلاح عوضا عنه.
وفي الختام، ينبغي على كل إنسانٍ "صالح" أن يصير إنساناً
"مصلحا" -في نطاق وسعه وجهده وقدرته واستطاعته-، تحقيقاً لمقصد الأنبياء
في الكون "إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ"، وحمايةً للأمة
من الوقوع في الهلاك والسقوط. "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى
بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق